السبت , أبريل 4 2020
الرئيسية / صحافة دولية / زواج السوريات من المقاتلين الغرباء.. طلاق وأطفال دون هوية

زواج السوريات من المقاتلين الغرباء.. طلاق وأطفال دون هوية

حقيق تكتبه لمجلة سيدة سوريا- سونيا العلي 

ظهرت في المجتمع السوري ظاهرة زواج السوريات من المقاتلين الأجانب الذين تم جذبهم إلى سوريا منذ عام 2013 للمشاركة بالقتال مع تنظيمات إسلامية مختلفة، وفور شعورهم بأن بقاءهم في سوريا سيمتد لسنوات طويلة بدؤوا بالسعي وراء الحياة الاجتماعية والبحث عن الزواج، لتكون المرأة السورية هي الضحية جراء معاناتها من  أعباء كثيرة في ظل عدم قدرتها على التحقق من هوية الزوج الذي يلجأ عادة إلى إخفاء اسمه واستخدام الكنى والألقاب لدواع أمنية، وبالتالي صعوبة نقل جنسيتها إلى زوجها الأجنبي الذي يقتل عادة أو يطلق أو يختفي تاركاً وراءه أطفال وزوجات يعيشون حياة اجتماعية واقتصادية معقدة.

لم يدم زواج عبير ابنة السادسة عشرة من مدينة إدلب أكثر من شهر واحد، لتعود إلى منزل أهلها أرملة، وعن قصة معاناتها تتحدث لسيدة سوريا قائلة: “تركت المدرسة بسبب فقدان الأمان، وبعد ذلك زوجني والدي من شاب مقاتل في إحدى الفصائل العسكرية الموجودة في إدلب يدعى (أبو البراء)من المغرب، ولم يمض على زواجنا سوى شهر واحد حتى انتقل إلى جبهة قتالية ثانية، ووعدني بأنه لن يتأخر بالعودة، ولكن الزواج انتهى بمجرد رحيله، وانقطعت أخباره بشكل نهائي، وقد تعددت الروايات بين مقتله وعودته إلى بلده.”

وتضيف بحزن: “لقد دمر هذا الزواج حياتي ومستقبلي لأنه منذ البداية مبني على أساس خاطئ وعلى واقع ليس فيه أي عنصر من عناصر الأسرة الصحيحة.”

وتتنوع الأسباب التي تدفع السوريات للقبول بمثل هذا الزواج بين الفقر والجهل وقلة التوعية والطمع المادي، إضافة إلى الخوف من العنوسة ووجود من يعتقدن أنهن لا يمتلكن خيارات أخرى وأخريات ينجذبن لشجاعة وبطولة المقاتلين أو للرغبة بالتقرب من هذه التنظيمات التي أصبحت المسيطر وصاحب القوة في المناطق التي يتواجدون فيها، علماً أن غالبية النساء المتزوجات من أجانب لازلن في مقتبل العمر، ولا يملكن أدنى فكرة عن تبعات هذا الزواج أو رأي القانون فيه، ناهيك عن أن معظم حالات الزواج التي جرت في الشمال السوري لم تكن الفتاة صاحبة القرار في اختيار شريك حياتها، حيث جرت العادة في الأسر السورية أن يكون الأهل مسؤولين عن تزويج بناتهم، حتى دون أخذ رأيهن في كثير من الحالات.

أمينة الحفيان( 15عاماً) من معرة النعمان وقعت ضحية الزواج من مقاتل أجنبي منذ صغر سنها وعن ذلك تتحدث لسيدة سوريا: “بقيت وحيدة بعد وفاة والدتي المريضة التي كانت كل شيء بالنسبة إلي في هذه الحياة، لتبدأ رحلة المعاناة والتنقل بين بيوت إخوتي المتزوجين، وأتحمل على مضض تسلط نسائهم وتدخلهن المتكرر في حياتي، لذلك قررت الزواج من مقاتل قطري طلبني للزواج وكان يتردد إلى بيت أحد إخوتي، لكنه توفي أثناء رباطه على إحدى الجبهات في نفس العام الذي تزوجنا فيه.”

المحامي محمد الأسعد من مدينة إدلب يتحدث عن مخاطر ظاهرة الزواج من أجانب مجهولي الهوية بقوله: “لا يجوز للولي تزويج الفتاة من رجل يخفي اسمه ونسبه، لما يترتب على ذلك من أضرار ومفاسد شرعية واجتماعية، وتأثيرات سلبية على استقرار المجتمع، وضياع حق المرأة في معرفة زوجها وعائلته وضياع حقها في الميراث، وبقائها معلقة في حال هروبه، والأخطر من ذلك هو تضييع حق الأطفال في معرفة نسبهم وصعوبة حصولهم على أوراق ثبوتية  .”مؤكداً أن الأعداد الحقيقية للأطفال الذين يعانون من هذه المشكلة أكبر بكثير مما جرى توثيقه بسبب تكتم عشرات الأسر السورية عن وجود هذه الحالات.

كما يبين الأسعد بأن تحديات الحرب من نزوح وتشرد وغلاء في المعيشة أجبرت الكثير من العائلات السورية على تزويج بناتها من أول عريس يطرق بابهم، وخاصة بعد انتشار الفتاوى الشرعية التي تحض وتشجع على الزواج المبكر وتعدد الزوجات، الأمر الذي جعل الشبان الأجانب الذين جاؤوا للجهاد يستغلون هذه الأسباب للزواج من السوريات.

المرشدة الاجتماعية شهامة العوض من مدينة معرة النعمان تتحدث عن رأيها بهذه الظاهرة بحسب الحالات التي مرت بها بالقول: “لم يعد معظم المقاتلين الراغبين بالزواج من سوريات يقبلون بالزواج من الأرامل والمطلقات، حيث يتم استغلال اضطراب الفتيات القاصرات النفسي الناجم عن آثار الحرب للإيقاع بهن في مغبة هذا الزواج، حيث يقوم طالب الزواج بعرض الوعود الوردية للفتاة من ملابس وأموال وحياة كريمة للقبول بالزواج والتخلص من حياة الفقر والعوز، إضافة إلى رغبة الأهل بتزويج الفتيات من أجنبي ميسور الحال بدلاً من الزواج بشاب سوري قد لايمتلك قوت يومه، يضاف إلى ذلك هجرة الكثير من الشباب السوريين الذين خرجوا بحثاً عن العمل أو الأمان أو إكمال الدراسة، الأمر الذي يجعل الفتاة السورية تقبل بالزواج من مقاتل أجنبي علماً بأن معظم المقاتلين مصيرهم مجهول وحياتهم تفتقد للاستقرار.”

كما يعتبر زواج السوريات من مجهولي الهوية جريمة بحق الأطفال على وجه الخصوص، حيث ينص القانون السوري على أن الطفل الذي يولد لأم سورية وأب أجنبي لا تنتقل إليه الجنسية السورية، ولا يحصل على حقوق ومميزات المواطن السوري، كما لا يعترف القانون بزواج السورية من أجنبي إلا ضمن شروط خاصة، أهمها موافقة وزارة الداخلية على الزواج وشهادة صحية تضمن الخلو من الأمراض وأن يتم الزواج في المحكمة.

سناء الخديجة(18عاماً)من بلدة جرجناز بريف إدلب تتحدث لسيدة سوريا عن قصة زواجها من مقاتل أجنبي قائلة: “انتسب أخي إلى فصيل هيئة تحرير الشام، وبعد فترة من الزمن أجبرني على الزواج من أحد أصحابه في الفصيل ذاته، بحجة أنه يريد أن يؤمن علي في بيت زوجي، وبأن العريس صاحب أخلاق حميدة، ولكننا لا نعرف عنه سوى اسمه الذي شاع بين الناس على أنه محمد الأوزبكي، لكن هذا الزواج لم يستمر سوى ثلاثة أشهر، لأنه اختفى فجأة دون أن نعرف أي خبر عنه، علماً بأنني ولدت طفلاً بعد اختفائه، وسيكون الضحية الأكبر لهذا الزواج الفاشل.”

كما تضيف سناء مبينة معاناتها في تسجيل ولدها في النفوس بقولها: “كان الخطأ الأكبر في زواجنا هو عدم تثبيت الزواج في المحكمة والاكتفاء بعقد القران بواسطة رجل دين، لتبدأ الصعوبات بعد اختفاء زوجي وولادة طفلي، حيث حاولت كثيراً تسجيله لينال أوراقاً ثبوتية ويحصل على حقوقه كباقي الأطفال ولكن ذلك كان ذلك أمراً معقداً للغاية، حيث أكد القاضي في المحكمة الشرعية أن الطفل المولود من أم سورية وأب أجنبي يتم تسجيله في النفوس إذا وافق شرطين :الأول أن يكون مولوداً في سوريا أما الثاني فهو أن يكون مجهول النسب، حيث يتم تثبيت واقعة الزواج وجهالة النسب أمام القاضي الشرعي، ليمنح الطفل الجنسية السورية من جهة الأم حكماً، أما في حال كان الزوج معلوم النسب فالقانون السوري لا يمنح الطفل جنسية الأم، وفي حال كان الوالد على قيد الحياة فتلجأ الأم إلى المحاكم لإلزام الزوج بتثبيت الزواج لتحفظ حق الطفل.”

لا يؤثر الزواج من المقاتلين الأجانب على الأطفال فحسب بل يترك أيضاً أثراً سلبياً على المرأة، إذ تكون مضطرة إلى تغيير سلوكياتها كالملابس والعلاقات الاجتماعية والعمل، كما تصطدم بحواجز اللغة، إضافة إلى أن الزواج من مقاتل يجعل حياة المرأة مليئة بالخوف والقلق من المستقبل خاصة بعد إنجاب أطفال وعدم إمكانية تثبيت الزواج أو وجود سند قانوني له، كما تعيق ظروف القتال من خلق حياة زوجية حقيقية، مما يترتب عليه أعباء نفسية كبيرة بالنسبة للمرأة كونها ستكون في النهاية أرملة مقاتل أو مطلقة مع عدد من الأولاد أو ستضطر للذهاب معه إلى بلده.

جميلة( 15عاماً)من مدينة التمانعة بريف إدلب لم تكن أفضل حظاً من سابقاتها وعن قصة القهر والألم تقول: “فقدت أمي وأبي في غارة حربية وبقيت مع أختي وأخي في عهدة عمنا، وبعد بقائي في منزله لسنة واحدة قرر أن يجبرني على ترك المدرسة بعد أن تقدم مهاجر مصري لخطبتي، وجرى الزواج وكأنه صفقة تجارية، حيث تلقى عمي المال مقابله بعقد قران شرعي خارج نطاق المحكمة ودون أن يخضع لضوابط تحمي حقوقي وحقوق أبنائي في المستقبل، وبعد زواجنا اكتشفت بأنه ينتمي لتنظيم داعش وهو متشدد دينياً، حيث منعني من مغادرة المنزل بشكل نهائي وكأنني في سجن، كما ينتقد كلامي وآرائي ولباسي بشكل مستمر، فتركت المنزل وهددت عمي بالانتحار إذا حاول إجباري على العودة إليه.”

أم أمين من مدينة كفرنبل بريف إدلب ترفض مثل هذا  الزواج وعن سبب ذلك تقول: “لن أبيع إحدى بناتي لمقاتل أجنبي مجهول الأصل والنسب مهما كانت النتيجة، فهؤلاء المقاتلين ليس لهم وطن ومكان محدد، وأكثرهم يتزوجون بأسماء مستعارة دون الكشف عن أسمائهم الحقيقية لأسباب أمنية، كما أن من حق الفتاة أن تعيش طفولتها وتتلقى التعليم المناسب حتى لو كنا نعيش ظروفاً صعبة في ظل الحرب.”

ورداً على انتشار الظاهرة أطلق ناشطون في محافظة إدلب وريفي حلب وحماة حملة (من زوجك)لتسليط الضوء على ظاهرة زواج السوريات من مقاتلين أجانب وتوعية النساء بمخاطر تلك الزيجات عليهن وعلى أطفالهن.

عاصم زيدان المنسق الإعلامي للحملة يتحدث عن دوافع انطلاقها بقوله: “بدأت ظاهرة زواج السوريات من مقاتلين أجانب بعد ظهور التنظيمات الإسلامية في سوريا وسيطرتها على مناطق مختلفة، ولكنها تمثل أخطاراً صحية ومجتمعية وأخلاقية، وتنتج عنها مشاكل آنية ومستقبلية على الأفراد والمجتمعات، لذلك تنبهنا إلى المخاطر المترتبة عنها وعمدنا إلى إطلاق الحملة.”

كما يضيف زيدان: “لقد رصد فريق المتطوعين في الحملة الذين بلغ عددهم 150متطوعاً 1735حالة لسيدات تزوجن من أجانب في إدلب وحلب وحماة 1124امرأة منهن أنجبن أطفالاً، حيث بلغ عدد المولودين من آباء مهاجرين حوالي 1829 طفلاً، لذلك نأمل من خلال الحملة بوقف الظاهرة ومساعدة الأطفال الناتجين عن هذه الزيجات على الاعتراف بهم من قبل المجالس المحلية بهدف الحصول على أوراق ثبوتية تثبت حقوقهم وتضمن دخولهم إلى المدارس.”

كما يبين زيدان بأن الحملة شملت جلسات حوارية نسائية بالتعاون مع عدد من المنظمات والفرق المدنية في المناطق المستهدفة بالإضافة لحملة إعلامية عن طريق لصق بوسترات وبروشورات وبخ رسوم غرافيتي على جدران الأماكن العامة، إضافة إلى التعريف بها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ورغم القبول الكبير الذي لاقته الحملة في المجتمع، لكن القائمون لم ينفوا تعرض الحملة لتشويهات إعلامية فضلاً عن إزالة الإعلانات واللافتات من على الجدران من قبل المقاتلين الأجانب، ولكنها مستمرة في نشر الوعي بخطورة الظاهرة ودعم المتضررين من نساء وأطفال.

في ظل حرب قاسية اجتاحت حياة السوريين دون رحمة، تحصد النساء ثمن الزواج من مجهولي الهوية، ليكون الضحية الأكبر هم الأطفال الذين يحرمون من حقهم في الجنسية والتعليم والسفر، ويتخلى عنهم المجتمع، وينتظرون بيأس مستقبلهم المجهول.

زواج السوريات من المقاتلين الغرباء.. طلاق وأطفال دون هوية

المصدر: مجلة سيدة سوريا

شاهد أيضاً

كارثة وشيكة و الحكومة المؤقتة تحذر

حذرت الحكومة السورية المؤقتة من حدوث “كارثة وشيكة” في حال لم تنفذ المنظمات الدولية تعهداتها …