الجمعة , أبريل 19 2019
الرئيسية / أخبار / الأفغان.. طُعم مدافع إيران في سوريا

الأفغان.. طُعم مدافع إيران في سوريا

كتب بيير الونسو، المراسل الخاص لصحيفة ليبيراسيون الفرنسية، في طهران “يقوم لواء فاطميون، الذي أنشأه الحرس الثوري في عام 2013، بتجنيد مهاجرين شيعة للقتال عن بشار الأسد.. ومقابل المال، يقاتلون حتى الموت بأعداد كبيرة في حربٍ ليست حربهم”.

حسين لا يفعل أي شيء. إنه جالسٌ في هذه الحديقة في ضاحية فقيرة بطهران وينتظر.. لقد وعده صديقٌ بأن يأتي لالتقاطه ليلًا لإيوائه.

وبقصة شعر لاعب كرة القدم (خصل غير متماثلة، وجوانب حليقة)، يبدو كالكثير من الشباب هنا. إن حسين أفغاني ويعيش بشكل غير قانوني في إيران، شأنه شأن مليوني مواطن من أبناء جلدته، وذلك وفقًا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وفي حديقة الصنوبر المبشور العامة هذه، يبقى وحيدًا، بعيدًا عن مجموعة من الرجال الذين يستريحون في أحد الأزقة القريبة. أشار إليهم بإصبعه دون أن يلتفت. “إنهم البلطجية الذين يذهبون إلى سوريا من أجل المال. إنهم يحاربون مقابل المال. يرتدون ملابس المقاتلين، ويتحدثون كالفاطميين”.

التلميح واضح: لواء فاطميون، هو الاسم الكامل، وهو لواء أنشأه الحرس الثوري الإيراني في عام 2013. ويجمع الشيعة الأفغان، الهزارة، الذين يذهبون للقتال في سوريا لإنقاذ نظام بشار الأسد. وقد أضافت واشنطن اللواء إلى قائمتها للعقوبات في يناير، وتُصنِّف “الحرس” منظمةً إرهابية.

في أوج الحرب، في عامي 2015 و2016، كان يبلغ عدد هؤلاء المقاتلين، الذين يحملون العلم الأصفر الذي تتوسطه بندقيتان كلاشينكوف وأغصان، حوالي 10000 مقاتل وفقًا لماثيو ماتكسون، وهو خبير في الصراع السوري الذي يحلله على موقعه Historicoblog4.

ويتذكر حسين هذه الفترة جيدًا، ويعتبرها فترةً بعيدةً جدًا حيث يبلغ 23 عامًا من العمر. كان قد وصل لتوه إلى إيران بطريقة غير قانونية. وكانت السلطات تلاحق المتطوعين المعينين في كل مكان: “كانوا يبحثون عن الأفغان حتى في المصانع. وحتى بين القتلة في السجن! وكانوا يعِدونهم بالحرية إذا ذهبوا إلى سوريا. في أحد الأيام، أوقفتني الشرطة. قالوا لي: “إذا ذهبت إلى الحرب في سوريا، فسوف نعطيك مالًا، ثم أوراقًا ثبوتية، وعملا”. ورفض، حيث فكَّر بعائلته أولًا، التي بقيت في أفغانستان: “إن مت هناك، لن يحصل والداي على أي شيء، وستضطر أخواتي إلى ممارسة البغاء”. حُكم على الشاب بالترحيل إلى أفغانستان، وسارع بالفرار مرة أخرى.

الحرس الإمبراطوري

ذهب كثيرون آخرون إلى سوريا. تحت وطأة الإكراه بالأحرى، ماليًا على أقل تقدير، أكثر من كونها قناعة أيديولوجية. لقد اخترع النظام الإيراني روايةً سياسية دينية لتبرير دعمه الباهظ للغاية لديكتاتورية الأسد. بحيث يكون هدف تدخلهم هو فقط الدفاع عن الأماكن المقدسة للشيعة، وخاصة ضريح السيدة زينب حوالي دمشق. يُطلق على المقاتلين الذين جندهم الحرس الثوري، وهو الحرس الإمبراطوري الذي تولى هذه السياسة الاستراتيجية لإيران، “مدافعي الحرم”،. إنهم يضحون بأنفسهم من أجل موتى.

لا ينخدع أحد بهذا المصطلح. “الذهاب إلى سوريا؟ لقد عشنا في أفغانستان وغادرنا بسبب الحرب. إن كان علينا القتال، فسيكون ذلك في أفغانستان، وليس في سوريا!”، قالها أفغاني كبير السن، صادفناه في مطعم يقدم أسياخ الكباب والدجاج المنقوع في شهر ري في طهران. لقد كانت سابقًا عاصمة الإمبراطورية، وأضحت هذه المدينة نوعًا من المناطق الشعبية البعيدة في جنوب العاصمة الإيرانية. وهناك شابان، يجلسان سويًا، لا يبدو أنهما يُؤمنان بذلك أيضًا، مع أنهما ذهبا إلى سوريا. مرتين في عام 2016: “ذهبنا لزيارة عمتنا زينب، لقد نمنا في منزلها”، هذا ما أدلى به ذو العيون الكستنائية الفاتحة. لم يريدا أن يتفوها بكلمةٍ عما فعلوه هناك، وبالكاد وصفوا كيف دخلوا اللواء.

أشار أحدهما إلى يمينه: حيث يوجد على مقربةٍ مما أشار ضريح الشاه عبد العظيم، سليل أحد الأئمة الاثني عشر الذين يحتفل بهم الشيعة. وفي هذا المكان وجدوا مكتب التجنيد. “في الضريح”، كما أكدّا. وما زال هناك واحد في المدينة، في نهاية أحد الأزقة في الحي. على الحسينية هناك لافتة كبيرة مكتوبٌ عليها “فاطميون”، إلا أنها تبدو مغلقة. حاليًا، يجب التقدُّم في باكداشت، وهي مدينة فقيرة جنوب طهران، كما بيَّن الشابان بوجهيهما الموسومة فعلًا.

وظلوا صامتين عن البقية. هناك آخر كان بالكاد أكثر ثرثرة. أثناء تدخينه لسيجارته إلى القطنة، كان يتلفت قلقًا يُمنة ويُسرة. وطلب رؤية بطاقتنا الصحافية، ثم أخرج بطاقة هوية تثبت أنه مُقيم نظامي في إيران. قال إنه زار سوريا عدة مرات، وسيعود إلى هناك في اليوم التالي لذاك اليوم. وكانت تلك المعلومة الوحيدة. أطفأ سيجارته ووضع كمامة مكافحة التلوث على فمه، وأغلقه.

في الحديقة، رحّبت بنا مجموعة الفاطميين الصغيرة التي أشار إليها حسين، بابتسامات ساخرة. كانوا يرتدون جميعهم البنطال المموج والسترات العسكرية أو الكوفيات السوداء والبيضاء. وسَعِدَ أحدهم بالإجابة علينا باللغة الإنجليزية، بلهجة أميركية قوية. فقد كان يعمل مع القوات الأميركية التي كانت منتشرة في أفغانستان. أكنتم في سوريا مع الحرس الثوري؟ أجاب مُتملِّصًا: “ليس لدي أي معلومات”. أولئك الذين أدلوا بتفاصيل كانوا يتحدثون عن أصدقاء أو أقارب ممن انضموا إلى الفاطميين. لم يتحدثوا عن أنفسهم مُطلقًا. ومع ذلك، فهم مضطلعون بسير المهام: تستغرق ما بين شهرين وثلاثة أشهر، تسبقها دروس دينية أو تدريبية موجزة على استخدام الأسلحة، بأوامر مباشرة من أفغاني آخر. والراتب: على الأقل ثلاثة أضعاف ما يتقاضونه هنا من خلال العمل في مواقع البناء في ظروف بغيضة. أي حوالي 200 يورو شهريا مقابل الموت في سوريا.

يقول ماتيو بوكستون، الذي لاحظ تطورًا على مر السنين: “يستخدم الإيرانيون الأفغانَ كطُعمِ المدفع. يمتلك لواء “فاطميون” أسلحة ثقيلة منذ عام 2016، تتضمن عربات مدرعة T-72 و T-90 روسية الصنع”. ويختلف المبلغ الذي تدفعه الميليشيات وفقًا للتقديرات. وتحدث المتحدث الإيراني باسم اللواء عن 2000 قتيل في العام الماضي. أحصى علي آلفونه، الباحث في مركز بحثي في واشنطن، 905 جنازات في إيران لأفغان قُتلوا في سوريا. وهو رقمٌ لم يأخذ في الاعتبار الجثث المنسية في ساحة القتال، ولا السجناء، أو المختفين.

تُكرِّم ايران بعض الجثث التي تُعاد إلى الوطن. وفي بهشت زهرة، المقبرة الكبيرة في طهران، يمتلك الفاطميون مربعهم، بين الصحافيين الذين لقوا حتفهم في تحطم إحدى الطائرات والنواب الذين قُتِلوا خلال الهجوم الذي شنه تنظيم داعش على البرلمان في يونيو 2017. خمسون قبراً، تخضع لسينوغرافيا صارمة. تحمل نقش “مدافعي الحرم”. وتُنقش صورة المتوفى على الرخام الأسود، واسم أو عبارة “شهيد مجهول”. ويحكي تاريخا الميلاد والوفاة قصة المعارك في سوريا وقسوتها. توفي علي رضا رحيمي في حمص في 23 نوفمبر 2015. وفي صورته، يبدو وكأنه صبي عمره 17 سنة.

يوم الخميس، هرعت كل عائلة إلى ميِّتها، الابن في كثير من الأحيان، والأخ في بعضها. حاملًا كرسيًا قابلا للطي أسفل الذراع، يتحدث رجل عجوز يرتدي السلوار كاميز، الزي الأفغاني التقليدي، طوعًا عن هذا الابن الذي يرتدي له الحِداد. وثمن مقتله العام الماضي في حمص فتح أبواب إيران له “دعتنا السلطات إلى هنا، لقد منحونا جواز سفر ووعدونا بالسكن. ونحن لا نزال ننتظر”. لقد ترك ابنه وراءه ثلاثة أطفال صغار يتامى، وهم الآن تحت عناية الستيني الذي يبدو أنه أكبر من هذا العمر بعشر سنوات. وبالكاد يُلبِّي المعاش الذي يتقاضاه (170 يورو) احتياجات العائلة المجموع شتاتها. واستشاط غضب الشيخ الكبير قائلًا: “كان ابني انتحاريًا. لقد أجبره الجيش السوري على ذلك. قاموا بتحزيمه بقنبلة”. وكرر المصطلح عدة مرات باللغة العربية “انتحاري”. وفاجأ هذا القول العديد من الخبراء الذين تمت مقابلتهم. فيليب سميث، الذي يعمل على الميليشيات الشيعية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، “لم يسمع أبدًا بأن (لواء فاطميون) بتجنيد انتحاريين”. ويدّعي ماتيو بوكستون أنه لم يسبق له أن رأى ذلك لدى الفاطميين في سوريا. أما بالنسبة للرجل المسن، فهو متيقن بذلك؛ لقد رأى جثة ابنه المُتجزِّأة عند دفنه، حيث كان الكثير من الحرس الثوري حاضرين.

تغطي سيدة عجوز نفسها في تشادور أسود. قامت بتنظيف قبر ابنها بالماء ونثرت بتلات زهور البرتقال عليه. وإلى جانبها، رجل ذو لحية بيضاء يعتمر قبعةً حمراء صغيرة ويصلي من أجل ولده. قُتل محمود حسيني في 27 مايو 2017، بعد ذهابه وإيابه عدة مرات من وإلى سوريا خلال عامين ونصف. يقول الوالد طاعن السن: “آخر مرة، غادر دون أن يقول أي شيء. إنني مصاب بمرض القلب، ولم يُرِد أن يقلقني. لقد كان مترددًا في المغادرة.

شاهد أيضاً

بعد البشير.. عبد الله والعباس و”رموز” أخرى إلى سجون السودان

تجاوبا مع أحد أهم مطالب الشارع السوداني، يواصل المجلس العسكري الانتقالي اعتقال عدد من رموز …