الأربعاء , سبتمبر 19 2018
الرئيسية / صحافة دولية / رأي / صنم السويداء

صنم السويداء

عادل رشيد

منذ كنا صغاراً.. ربما منذ أكثر من ربع قرن، كان تمثال حافظ الأسد – كما في كل ساحة – يهيمن صنماً رابضاً فوق منصةٍ من رخام على كل شيء حوله، وللمصادفة أو ربما بوضعيةٍ مدروسة وُضِع الصّنم ليدير ظهره للمسجد ولمدرسة الفتاة الثانوية ولمكتبة المعرفة أيضاً، فيما أدار وجهه لشبيحة البسطات، وسائقي سيارات الأجرة الذين يحتلون أرصفة الساحة غير تاركين مكان قدم للعبور، وكوتدٍ يحدد الجهات بني القصر أو المبنى البلدي إلى يمينه، ومبنى المالية إلى يساره وهما من أكبر الأبنية وأعلاها في المدينة.

وهكذا بقي الصنم بلونه البرونزي الجاف دليلاً على سطوة عائلة الأسد وحضورها الثقيل في المكان، وككل ساحة من ساحات المدن أو الحواضر السورية، وحيث وجد، فإنك وإن تجاهلته لن تلغي وجوده.

ومع انتشار عدوى اقتلاع أصنام وتماثيل الأسرة الحاكمة في المدن والبلدات السورية كافة، وتحطيم أو حرق معظم أصنامهم الصغيرة الحجم أو النائية قليلاً في السويداء و قراها، حافظ الأمن على حضورٍ مستمر لحراسة مقسمة بين ظاهرة وخفية، إضافة إلى أمان اكتشفت المدينة في لحظةٍ خاطفةٍ أنه كان هشاً.

وإليكم الحكاية التي نختصرها هنا بعنوان: لحظة الطنين.

ما كنهه؟ من أي مادة صنع؟ سؤال لا بد سأله كثيرٌ من الناس في السويداء فيما يعبرون الفضاء المنتشر بين أبنية الساحة التي يرتكز في وسطها صنم هُبَل «تمثال حافظ الأسد».

هكذا بقي الصنم بلونه البرونزي لغزاً خفياً فيما يخص المادة التي شكلته، لكن قبل أن نعرف الجواب، ستحتاج حكايتنا إلى بطل كأبطال الملاحم، رجلٍ حرٍ تملأ جوانب روحه عطور من سير الأجداد وهم يجرّدون سيوفهم لمواجهة شراذم العثمانيين والجـنـود الفـرنـسـييـن المـدججيـن بالمدافع والدبابات والرشاشات، عطور من ملاحم سطرها رجالٌ سدوا المدافع بعمائمهم، قلبوا الدبابات الفرنسية بأكتافهم كأنها حجرٌ يعيق سير محاريثهم، نعم بطلٌ من زمن يورث الحكايات والبطولات كصكوك الملكية، كبراءات الاختراع.

وها هو بطلنا، ولنلتقطه في لحظة التحول، تلك اللحظة التي قادت إلى الحكاية. فلحظةَ استُفِزَّ هدوءه الموصوف، كان عصام يقف على سطح دارته في الجهة الغربية من المدينة والتي تشرف على سهل حوران إشراف قلعةٍ على سهل، قلعة؟! نعم قلعة، وهل يمكن لمن امتشق مطرقته وقصد بها فضاء /هُبَل/ إلا أن يكون قد نشأ وترعرع بين جنبات قلعة.

في تلك الليلة أو اللحظة الليلية. وقف عصام أو شمشون؛ كما يحب البعض تسميته اليوم، يرقب بصمت المقهور حمم الموت العمياء من قذائف المدافع وراجمات الصواريخ وهي تنهمر على أطفال ونساء حوران، وربما في تلك اللحظة، تساءل الفارس الملحمي الكائن فيه، لماذا؟ لا إجابة تأتي، فيم كل هذا الحقد؟! لا إجابة تشفي، من أجل من ولأجل ماذا؟! لا جواب يقنع الروح المستنفرة الغاضبة، وهنا كان لا بد من إجابةٍ للسؤال القديم حول /هُبَل/ صنم السويداء، ما كنه هذا الشيء ومما صُنع؟

في ظهر اليوم التالي، جاء الجواب المنتظر حين سأل فارسنا سؤاله بشكل مباشر لا لبس فيه ولا مواربة، سؤالٌ صادقٌ فجّر كل الكلمات المخبوءة في ربع قرن من الأسئلة، لحظة الطنين كشفت خامة المعدن الرخيص البارد بلا روح، لحظة الطنين أظهرت الخواء الأجوف الذي ملأ هُبَل السويداء، صنم السويداء، خديعة الهيمنة الكاذبة التي زرعته الظروف المنافقة وسنين الخوف، وأسكنته مركزاً في مدينة الشموخ كعلامة على ذل لا يليق بها.

إيه يا عصام.. إيه يا شمشون.. لقد حللت اللغز ببساطة التجربة ووضوحها وبنبل وشجاعة الفرسان! كان لابد من صدور الإجابة؛ ثلاث طرقات.. ثلاث مرات.. تلك التي هويت بها على رأس ومتن هبل، كانت كافية لتجعله يصرخ من عمق خوائه الأجوف الفارغ.. يصرخ ضعفاً ليسمعه كل من في الساحة.

خلف أكياس رملهم، الأمن والشرطة الواقفين برشاشتهم المصوبة إلى نحور جاهزةِ للاتهام، وأولئك الذين يذرعون المسافة بين متاريسهم المكوّمة أمام باب قسم الشرطة وباب البلدية، شبيحة البسطات الذين ملؤوا الأرصفة واحتلوها، شبيحة آخرون في سيارات الأجرة لا تخلو الساحة منهم، وعابرو السوق الذين اعتادوا وجود /هُبَل/ وتجاهلوه بعد يأسهم من الإجابة على سؤال: ممّ يتكون هبل؟!!

خرج من بيته يمتشق مطرقته الحديدية متوجهاً إلى السوق، قاصداً الساحة المحروسة بأنظار القلقين الموكّلين بالقلق والمحافظة على فضاء الصنم آمناً هادئاً، اجتاز الساحة، لابد أن أحداً لم يكترث له، لم يثر بمطرقته ارتيابهم، فما الذي سيحيلهم إلى فكرة كتلك في زمن يهيمن فيه الجبناء بائعي ضمائرهم من الشبيحة والذيول، ظانين أنّ زمن الأبطال الذين أودعهم لنا التاريخ في الحكايات.. قد ولّى.

تابع عصام نحو وسط الساحة بطريق مباشرة ليقطع السياج الحديدي المحيط بالمنصة الرخامية التي يقف عليها /هُبَل/، صعد المنصة ووقف في مواجهته سائلاً إياه السؤال الحائر وبشكل مباشر لأول مرة: ممّ أنت مصنوع؟؟!!

سؤال على الرأس؟ كرره على الوجه؟ وثالثة على أذنه وعنقه.

بين كل سؤال صاعق وآخر كان عواء /هُبَل/ يملأ الساحة ويصمّ سمع من فيها، طن ن ن ن ن ن.. طن ن ن ن.. طن ن ن ن.. أنا لدائن جوفاء خلطة قذرة من قاذورات التاريخ والمصادفات الغريبة.

طن ن ن ن.. أنا ظلّ الخوف الذي سكنكم وأنساكم تاريخكم ومجد أيامكم البيضاء وتضحيات أجدادكم.

طن ن ن.. أنا وهمكم.. وهم.. وهم م م م م م… كانت لحظة الطنين غريبة صادمة، غير مستوعبة من سدنة /هُبَل/، حراس الساحة المسكونين بأسطورة مناعة سيدهم، اكتفوا بالالتفات نحو مصدر الصوت المذعور تحت إلحاح سؤال مطرقة عصام.

لحظة الطنين.. كانت صاعقة لعيونهم، بينما استوعبت عقولهم جهة الصوت الذي جاء يعترف بخلطته القذرة الرخيصة على الملأ، جحظت العيون من محاجرها، مُطت الرقاب نحو الحدث الجلل، رجل في مواجهة /هُبَل/؟! يذيقه الذل ويجبره على العويل والاعتراف! يحطم هيبته!!

لحظة الطنين.. استوعبت آذانهم ما سمعت، استيقظت حواسهم كلها يعبّر عنها خوفهم الذي ملأ فراغ الساحة وانداح من مسامهم المتعرقة، فيما يسمعون /هُبَل/ يصيح تحت سؤال المطرقة، طن ن ن.. أنا وهم م م…

لحظات حتى خرج حرس الساحة من ارتعاد قلوبهم، من شلل أطرافهم من عجزهم أمام انهيار سيدهم ولي نعمتهم مورث ذلهم.

توالت الأصوات المذعورة من كل حدب وصوب، تراكض ضباط أمنه عناصر أمنه شرطة أمنه شبيحة أمنه، بينما عصام كان يهوي بأسئلته موثقاً اعترافات /هُبَل/، أنا وهم م م.. وهم م م… إلى حين تحول اتجاه المعركة، حيث وصل إليه الضابط الأمني فعاجله شمشون بضربة على رأسه هدت كاهله.

تكاثر الحشد الأمني المساند المتردد خوفاً من مطرقة الشمشون، الذي استدار عنهم ليكمل مهمته، ليعلمّهم، ليوضّح لهم، ليكشف أمامهم وهمهم، ليخرج خواء /هُبَل/ وفراغه للعيان.

عندها تعلقوا بذراعيه تراموا على ساقيه وقدميه، أمسكوا بزنديه المعروقين وشدوه بعيداً عن الصنم المذعور.

نهشوا جسده بالقبضات والأقدام وأعقاب البنادق، في عنفٍ تصاعد كاعتذارٍ لـ/هُبَل/ ينظر بذهول لابساً عاره وخزيه بعد اعترافه العلني، في أكبر وأشهر ساحة في مدينة السويداء، من سيصدّقه بعد اليوم إن قال: أنا /هُبَل/.. أنا السيد الأوحد.. أنا المهيمن.. أنا الحاكم الرب الأبدي الذي لا يُمس؟

غاب عصام العشعوش مع السيارة التي حملته إلى فرع الأمن، حيث ثارت شهوة الجلادين العبيد ضرباً وقسوةً إمعاناً في إيقاع الأذى الجسدي عليه، خصوصاً كلما رأوا ابتسامة ثغره من خلال الدماء، أو نظرة الإصرار والعزم خلف عينيه المتورمتين، لكن كيف لجسدٍ تحمله تلك الروحُ أن ينهدم؟ كيف لأذىً أن يكسره أو يهينه؟!

نعم لم تستغرق رحلة التشفي من عصام أكثر من أربعين يوماً، منذ اليوم الذي أجبر فيه /هُبَل/ على الإجابة عن السؤال في 19 / 7 / 2012 الساعة الواحدة ظهراً، إلى اليوم الذي عاد فيه إلى قلعته وميدانه في 29 / 8 / 2012.

بعد ذلك وعلى ما روى شهود عيان، أنه كلما مرّ عصام قرب الساحة أو في فـضائهـا ارتعـدت فرائـص

/هُبَل/ وأطرق غارقاً في عاره، وفي نظرته الكثير من لؤم ولومٍ على عبيده الحراس وسدنته، وكأنه يصرخ في جوفه الفارغ معاتباً حانقاً، كيف سمحتم له أن يفعل بي ما فعل.

أما نحن العابرون الفانون الذين لن يذكرهم الوقت أبداً، بتنا نضحك في سرنا هامسين لبعضنا بعضاً كلما عبرنا الساحة، أتذكرون لحظة الطنين؟

لـحظـة الطـنيـن، لـحظـة فـارقـة، صـنـعـت أسـطـورة تعيـش بـيننـا وسـتعيـش وحطمـت! شـكراً عصـام العشـعوش أو كمـا يشـاء البعـض تسميتك، “شمشون الجبل” شكراً على لحظة الطنين.

من إرشيف ضوضاء

 

شاهد أيضاً

السعودية تهدد بـ”السعي لحيازة سلاح نووي” في حال استأنفت إيران برنامجها

هدد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في تصريح لشبكة “سي إن إن” الأميركية الاربعاء إن …