الأربعاء , سبتمبر 19 2018
الرئيسية / صحافة دولية / رأي / المجتمع المدني غير المتكامل

المجتمع المدني غير المتكامل

مازن الحلبي

يعتبر مفهوم المجتمع المدني من أكثر الاشكالات التي تواجه تعاريف ومفاهيم العلوم الاجتماعية والانسانية، فهي على النقيض من العلوم الطبيعية التي تتصف بالدقة يواجه هذا التعريف إشكالاً في التشخيص أيضاً لارتباطه بتكونه وما رافق نشوئه.

ولعل مفهوم المجتمع المدني الذي نشأ في أوروبا وتحديداً في عصر النهضة على يد رواد الفلسفة الكلاسيكية كـمونتسيكو وسبينوزا، وفي هذه المرحلة يمكن اختصار هذا المفهوم بتكريس دور الرابطة الاجتماعية مقابل الرابطة الدينية والارستقراطية، أما رحلة تطوره فكانت في القرن التاسع عشر والتي ركزت على ضرورة إعادة بناء المجتمع المدني في مواجهة وبموازاة الدولة الحديثة على يد هيجل وماركس.

جاءت إسهامات غرامشي في القرن العشرين كواحدة من أهم الاسهامات التي طورت المفهوم حين حاول طرح المفهوم في إطار نظرية السيطرة والهيمنة الطبقية واستخدامه لإعادة بناء استراتيجية الثورة الشيوعية والتحررية، أي ضرورة البدء بالتغيير من خلال العمل على مستوى المجتمع المدني. لكن اكتشاف غرامشي المتأخر أعاد اكتشاف المفهوم بالاعتماد على تراثه، فلم يبقى منه سوى فكرة المنظمة والهيئة والمؤسسة الاجتماعية غير الحكومية. ليغدو مفهوم المجتمع المدني هو تلك الشبكة الواسعة من المنظمات التي طورتها المجتمعات الحديثة خلال تاريخها الطويل والتي ترفد عمل الدولة. فيما فرضت التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة والمتمثلة بتراجع دور الدولة وانتشار العولمة والاتجاه نحو حكم المجتمع لنفسه بنفسه على المجتمع المدني اعادة تشكيل نفسه ودوره ليصبح قطبا قائما بذاته، وفي مواجهة الدولة الآخذة في الانصهار في برامج الاندماج الاقتصادي ومركز قيادة تعمل على حماية المجتمعات من النزعات العولمي، وليتحول إلى سلطة اجتماعية الاقتصادية والتجارية المتزايدة على حساب قيم العدالة والمساواة.

يعتبر النشاط الاهلي والمدني حاضراً بأشكال متعددة، لكنها تؤدي بعض جوانب التعريف والمفهوم الحديث لمؤسسات المجتمع المدني، ومن هذه المؤسسات والمنظمات التي لها تاريخ طويل في منطقتنا العربية الجمعيات الخيرية التي لعبت دوراً كبيراً في عملية التكافل

الاجتماعي، كما أدت المنظمات الدينية دوراً فاعلا في نشر التعليم والخدمات الاجتماعية.

وقد برزت أولى سمات هذا التكون في مجتمعنا العربي منتصف القرن التاسع عشر، وهي جمعية علمية أدبية نشأت في بيروت باسم (الجمعية السورية) على يد رجال الفكر والثقافة. وفي دمشق نشأت جمعية رباط المحبة وهي جمعية علمية، ثم تتالت ليصل عددا العشرات وأبرزها الجمعية التاريخية، الجمعية الخيرية لإنشاء المدارس وترقية المعارف، جمعية ميتم قريش، النادي العربي، النادي النسائي الأدبي، جمعية الرابطة الأدبية، جمعية الندوة الثقافية النسائية، نادي الشبيبة الكاثوليكي، الرابطة الثقافية في المعهد الطبي، رابطة وحي القلم، رابطة الكتاب الشباب، جمعية التضامن الثقافي الاجتماعي

وقد أجمعت في نشاطها السياسي والاجتماعي والاقتصادي افتتاح الصحف والمجلات، وتشكيل فرق الكشافة والفرق الموسيقية والأندية، ما يشير إلى وجود نشاط مجتمعي مدني متطور وفاعل.

في مراحل لاحقة تطور مفهوم النشاط الاجتماعي إلى النقابات فكانت نقابة المحامين أولاها عام 1912 إضافة للأحزاب الناشئة كحزب الشعب، حزب الوحدة، الكتلة الوطنية، عصبة العمل القومي، الاخوان المسلمون، الحزب القومي الاجتماعي السوري، الحزب الشيوعي، الحزب الوطني السوري، حزب البعث، حزب التعاون الاشتراكي. ومما أتاح للسوريين في تلك الفترة من امتداد صدور قانون الجمعيات عام 1953.

تعرض مفهوم المجتمع المدني لمضايقات وإغلاق وترقين قيود بسبب التحولات السياسية في سوريا وتحديداً أثناء قيام الوحدة مع مصر. إضافة لحكم البعث الذي رسخ العمل بحالة الطوارئ التي عطلت معها جميع القوانين المدنية.

بعد هيمنة حزب البعث كونه قائداً للدولة والمجتمع هيمن على النشاط المدني والسياسي فانحصرت وتحولت الجمعيات الأهلية والمنظمات والأحزاب والمؤسسات المدنية إلى أذرع وأدوات للحزب القائد. كطلائع البعث واتحاد الشبيبة والاتحاد النسائي واتحاد العمال وهي الوحيدة المسموح لها العمل على قضايا المرأة والشباب والعمال الإضافة للاتحاد الوطني للطلبة فيما اقتصر نشاط الجمعيات التابعة للأحزاب الأخرى على أعضاء هذه الأحزاب والذي أخذ بالتناقص تدريجياً حتى بات يعد بالمئات وبالآلاف على أحسن تقدير.

في الألفية الجديدة صدرت مجموعة قوانين تسمح بإصدار صحف ومجلات ومحطات تلفزيونية الخاصة، لكنه لم تلب طموحات العاملين في الوسط الإعلامي فإصدار الترخيص والإغلاق يصدر الجهات الامنية.

يسجل هذه المرحلة حراك سياسي واجتماعي ومدني دون أن يترجم ويشرع قانوناً، فتعددت المنتديات والجمعيات السياسية وجمعيات المجتمع المدني ومنظمات الدفاع عن حقوق الانسان. بدأ بالنقاش والحوار في فلك الواقع السياسي والاجتماعي الاقتصادي وانبثق عن بعضها فكرة تأسيس جمعية أصدقاء المجتمع المدني، وأطلقت الهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني.

وليس بيان المثقفين الـ99 في خريف2000 سوى ترجمة لهذه الحوار، وفي العام 2011 صدر بيان 1000 مثقف الذي أعاد التأكيد على المطالب السياسية المعروفة كرفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية وإطلاق سراح السجناء السياسيين وفسح المجال لحرية الرأي والتعبير وغيرها.

إلا ان استمراء النظام بالتأجيل والمماطلة اتهم الناشطين ودعاة هيكلة المجتمع المدني بالعمالة للغرب والاختراق الخارجي وبدأ بعملية قمع الحريات والاعتقال وبها أجهضت تجربة جديدة وليدة في المجتمع السوري لكنها أسست لوعي سياسي جديد وغدت النقاش والحوار بالشأن العام منتشراً في أوساط الشباب والمجتمع عامةً.

مع انطلاق شرارة الثورة السورية واستخدام النظام لكافة وسائل العنف ضد المدنيين بدأت منظمات المجتمع المدني بالظهور الكثيف لتسد الفراغ الذي نشأ عن غياب الدولة فيما مراكزها تتواجد في الخارج السوري.

من هنا أصبح جلياً ما تقدمه هذه المنظمات ولو بشكل خجول تبعاً للداعمين بداية وانتهاء بصعوبة تقديم الخدمات في المناطق المحاصرة أو المحررة لتغدو مجرد وسيط بين الجهة المانحة ومستحقي هذا الدعم، فيما يقتصر دورها عبر تنظيم العمل الخيري وتقديم المساعدات وبذلك لا يكون قد لبى ولو نص الاحتياج لتلك المناطق أو الأشخاص وهذا بحاجة إلى تفعيل دور الأفراد عبر ورشات العمل والسعي للعمل بشفافية إزاء تطوير فكرة المجتمع المدني.

من إرشيف ضوضاء

شاهد أيضاً

السعودية تهدد بـ”السعي لحيازة سلاح نووي” في حال استأنفت إيران برنامجها

هدد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في تصريح لشبكة “سي إن إن” الأميركية الاربعاء إن …