الأربعاء , سبتمبر 19 2018
الرئيسية / صحافة دولية / تحقيق / تاريخ سوريا في أيدي اللصوص

تاريخ سوريا في أيدي اللصوص

محمود أحمد

 

ليس سراً أن نظام بشار الأسد لم يكتف بسرقة حاضر سورية وتدمير مستقبلها، بل سرق ماضي هذا البلد الذي يحتضن أقدم وأعرق الحضارات، فسورية كانت فعلاً مهد الحضارات الإنسانية، فمنها انطلقت أول أبجدية في التاريخ البشري. وهنا يقول سليم البستاني عن السوريين: «نحن الذين أعطوا العالم الأديان، وأكسبوه مبادئ ما له من التمدن وأسباب الرغد والراحة، وفتحوا له أبواب المتجر برّاً وبحراً، واقتحموا الأخطار والأهوال العظيمة لكي يكسبوا بلادهم ثروة وصولة وشُهرة وهيبة.
أقيمت المدن السورية على مدن قديمة طواها الزمن، وتتميز الأرض السورية بأنها تضم بين ثناياها حضارات بشرية، وللأسف فإنّ هذه الحضارات تعرضت ولا تزال تتعرض للسرقة والنهب، خاصة في السنوات الأربعة الفائتة. يقول المدرس أبو خليل، من ريف حلب الشرقي إن «عملية نهب الآثار ليست شيئاً طارئاً على سورية، فقد كانت عملية السرقة تجري بشكل منظم منذ عهد الأسد الأبـ«، فكان النظام (بمؤسساته الأمنية) شريكاً في كل عمليات السرقة. ويضيف أبو خليل أنه «في الثمانينات، كان رفعت الأسد يسخر الجيش للتنقيب عن الآثار، وحينها، استطاع بيع كميات ضخمة، وبقيمة كبيرة».

وليس غريباً أن تزدهر سرقة الآثار في ظل الحرب والفوضى التي تعيشها سورية، إذ أن قليلاً من الجهد يكفي لتحقيق ربح كبير، وعليه يقول أبو محمود، وهو منقب عن آثار في مدينة منبج، إنه «أحياناً تعمل شهوراً دون فائدة، ولكن قد يؤدي اكتشافك أثراً واحداً إلى جعلك مليونيراً». وليس سراً أن الأهالي الباحثون عن الآثار اعتمدوا طرقاً بسيطة للتنقيب. يقول حسان، وهو أحد المهتمين بالآثار، إنه «في قُرانا يستخدمون طرقاً بسيطة مثل استخدام قضيبين معدنيين على يد خبير، يمسح بواسطتهما المنطقة المراد التنقيب فيها، وبمجرد أن تحرك القضيبان في يد الخبير فهذا يعني وجود فراغ تحت الأرض، وبالتالي الآثار».

لكن خبراء يرون أن هذه الطريقة غير عملية، فقد تتحرك القضبان بيد الخبير نتيجة الشقوق الأرضية أو المياه ولا يمكن التمييز بين حركة القضبان للآثار وحركته   ا هنا، والفصل هو الحفر، والطريقة الشائعة عند عوام الناس الاعتماد على الحفر اليدوي عقب الدراسة. ودخلت تقنيات حديثة في عمليات التنقيب عن الآثار، وهي وسائل كانت ممنوعة في وقت سابق، يقول حسان: «استخدمت أجهزة كشف المعادن والآثار، ولكنها أيضاً غير فعالة لأنها تكشف المعادن بالأرض المخلخلة دون الصلبة، وتالياً فان نتائجها غير مرضية».

أما السرقات الكبرى فكانت تتم بمشاركة القوى الأمنية، إذ كان في سد تشرين (الشهداء حالياً) جهاز كشف الآثار، يؤخذ في سبيل الإعارة نتيجة اتفاق مالي معين، يقول خالد أبو محمد، وهو أحد منقبي الآثار، إنه في السابق «كان منقبو الآثار يعقدون شراكة مع المسؤولين لتأمين الجهاز، والحماية قبل الجهاز، وأحياناً يتولى المسؤولون الكبار عمليات التصريف»، إذ تسخر إمكانات الدولة لسرقة سورية، وتستخدم وسائل أخرى منها احضار الجان في التنقيب عن الآثار، ويضيف أبو محمد أنه «من خلال مرافقتي لبعض الباحثين عن الآثار، وجدتهم يقرأون بعض التمائم لاحضار الجان، ويدعون أنها تعطي نتائج ولكن لم ألحظ ذلك».

وتعيش سورية الحالية فوق مدن وحضارات متنوعة العصور، ويختلف وجود الآثار لاختلاف الحضارة. ويرى أبو سليمان، وهو منقب عن الآثار، ان «بعض الآثار تكون قريبة من سطح الأرض (مترين أو ثلاثة أمتار)، ومنها ما يكون على عمق 12 متراً، وكلما كانت عميقة زاد البعد الزمني».

وتفيد صحيفة «الاندبندنت» البريطانية، في تقرير نشرته منتصف الشهر الجاري، بأن المواقع الأثرية التي نهبت في سورية، خلال الأعوام الأربعة الفائتة، ضمت مواقع لآثار مدينة تدمر وقلعة الحصن، التي تعد أوسع قلاع عصر الحروب الصليبية. وعلى ما أوضحت الصحيفة فأن المقتنيات الاثرية المسروقة تضم تماثيل وأعمال فنية، وتماثيل وعملات نقدية وأختام.

لكن في الواقع فان سرقة الآثار ليست حالة طارئة في سورية، نتيجة الحرب الجارية في البلاد، إذ كانت زمن النظام أخطر، وأكثر تنظيماً، سواء من حيث النوعية والكمية والمساحات. ويفيد أبو سليمان بأنه قبل بدء الثورة، كانت «تسخر إمكانات الدولة للسرقة عبر مسؤولين كبار، فعند توارد الأخبار عن وجود آثار في منطقة معينة، يتم فتح مشروع معين للتمويه، بينما الحقيقة كانت سرقة الآثار». وأحياناً كانت السرقات تتم بطريقة أسوأ، إذ تؤخذ اللقى الأثرية من المحافظات والمدن السورية بحجة وضعها بمتحف دمشق، وفي الطريق يتمّ استبدالها بقطع مزورة. ويقول «أبو معتز»، وهو خبير أثري من ريف حلب إن «نسبة كبيرة من الآثار الموجودة في المتاحف السورية مزورة، بينما الحقيقي يهرب للخارج، فقد كان لرفعت الأسد ميناء خاص».
وفي المناطق التي يسيطر عليها تنظيم «الدولة الإسلامية»، تحولت عملية التنقيب عن الآثار لعملية تجارية خالصة، لا تحمل أي بعد حضاري أو إنساني، فالتنظيم لا يلتفت لهذه الأمور بل يقوم أحياناً بنسف مواقع وأضرحة تاريخية. ويتم البحث عن الآثار بموافقة من «الوالي»، وقد اعتمد التنظيم على أصحاب الخبرة السابقين، وتداول الشارع قصصاً كثيرة عن لقى هائلة باعها التنظيم، ولا يمكن التأكد من صحتها. ويوضح الأربعيني أبو حسام، من ريف دير الزور، أن هناك حديث عن «استخراج التنظيم من منطقة الشدادي وحدها، ما يقدر بحمل سيارة كبيرة من الذهب واللقى الأثرية، كما عمل التنظيم على عمل ورش في المناطق الأثرية بريف دير الزور (الصالحية وماري والرحبة وماشخ وشمساني وتل حمد وقلعة طابوز)»، ويضيف أبو حسام أن التنظيم نقب أيضاً في محافظة الرقة، وخصوصاً في منطقة العكيرشي الواقعة بين دير الزور والرقة».

ويعمل تنظيم «الدولة» بأريحية بعد أن جلب ما يستطيع من أجهزة كشف حديثة، وقد تعمل الآلات الكبيرة الجرافات (التركسات) لهذه الغاية وتحت نظر الناس، إنهم «الدولة والمتصرف». وهناك مجموعات من التنظيم تعمل بشكل فردي، وهي في غالبيتها تتعاون مع أصدقاء أو التنقيب في بيوت الجيش الحر والمزارع المصادرة من قبل التنظيم، بعد أن قطنوا هذه المنازل. ويشير القيادي في الجيش الحر، سامح الحمد، وهو أحد الذين صادر التنظيم بيته وأملاكه، إلى أن تنظيم «داعش بدأ التنقيب عن الآثار قبل السيطرة الكاملة على تلك المناطق، وبعد السيطرة والاستيلاء على بيوت مقاتلي الجيش الحر، سكن عناصره في الشقق السكنية ويقومون بالتنقيب عن الآثار في البيوت العربية والمزارع». ومن المثير أن تنظيم «داعش» لا يعتبر التنقيب عن الآثار جريمة وإنما يعتبرها املاك، ولكنها تختلف عن الاملاك العادية بنسبة الزكاة، فالآثار «معروفة باسم الركاز وزكاتها 20%، ولا يشترط مرور حول على استخراجها». يقول ناصر، وهو طالب جامعي من مدينة منبج إن «الناس يبحثون عن الآثار بشكل مستمر دون علم تنظيم الدولة، وعندما يصل الخبر للتنظيم فإنه يأخذ نسبة كبيرة من الآثار بحجة الزكاة، وهذا ما حصل مع أحد أصدقائي بالقرب من قلعة نجم شرقي منبج».

أما في المناطق التي يسيطر، أو التي كان يسيطر عليها، الجيش الحر، أخذ التنقيب فيها طابعاً منظماً من قبل الفصائل العسكرية الثورية، وكان يتم بواسطة عصابات منظمة استثمرت الفراغ الأمني الحاصل، وغالباً ما يقوم بذلك الأهالي الذين يبيعون اللقى لسماسرة بأثمان متواضعة، لأنهم لا يعرفون ثمنها الفعلي، يقول المدرس أبو أحمد، من مدينة منبج إن الأهالي يبيعون «اللقى الذهبية بسعر الذهب الرائج بالسوق أو بزيادة طفيفة، في وقت تفوق القيمة الأثرية قيمة الذهب المادية».

وجرت في منبج قصص كثيرة، ويُعتقد أن البعض اغتنى نتيجة التنقيب، مثل الحاج عبدالله، الذي ظهر عليه الغني فجأة بعد بناء بيته (شمال الحديقة العامة)، ومنذ عدة سنوات مقابل جامع الفتح، قام أحدهم ببناء مغسلة للسيارات، فأنشأ الرجل جزءاً من المشروع ليختفي لاحقاً دون أي تفسير واضح؛ ليتبين لاحقاً أنه عثر على لقى أثرية ذهبية هرب بها إلى تركيا، وكذلك في مدرسة (زيدان حنيضل)، وجد على آثار كثيرة وتوقف العمل ثم استمر بعدما ذهبت الآثار لجهة مجهولة، ولكن كثير من الناس كان يتحاشى الحفر، خوفاً من أن يستولي النظام على أرضه، يقول أبو حميد من مدينة منبج انه «أثناء الحفر لبناء بيتنا، وجدنا الأرض توحي أن هناك آثار، ولكن والدي عجل في صب الأرضية بالإسمنت المسلح، خوفا من أن يصل الخبر للنظام ويقوم بوضع يده على الأرض ولم تكن الأمور متاحة للحفر في حينها».

ومن القصص (المضحكة – المبكية)، العثور على تماثيل ذهبية صغيرة أثناء الحفر قرب المشفى الوطني بمنبج لتشييد بناء، فجاء سائق الجرافة (التركس) لصاحب العقار عارضاً عليه الشراكة، فما تم العثور عليه ثروة، لكن صاحب العقار رفض، وأخبر مكتب الآثار ليعتقله الأمن مدة شهرين؛ ذاق خلالهما صنوفاً من العذاب بدعوى أنه سرق أحد التماثيل فمن المفروض أن يكون عددها مئة.

وكانت تنحصر فائدة البحث عن الآثار بيد مجموعة قليلة من المنتفعين، ولا سيما في اللقى غير الذهبية، فالسرقات الكبيرة يرتكبها رجال عصابات وشبكات منظمة، لا تعطي المواطن إلا نسبة قليلة جداً. فأغلب الأهالي يعملون ويجدون آثاراً، ولكن أرباح التجار أضعاف ما يحصل عليه المواطن البسيط، وبعض شركاء النظام كانوا ينشؤون ورشات ويستخدمون بها عمال يعملون بيوميات ضئيلة لاتساوي الجهد والتعرض للمساءلة في حال خلافات بين الجهة التي تحمي هذه الورشة أو وشاية من جهة ثالثة (لم تأخذ حصتها من هذا المشروع)، يكون العمال بالواجهة وهم من يتعرضون للمساءلة.

أما نوعية الآثار فبحر واسع يمتد من القطع النقدية الصغيرة مروراً بالتماثيل الصغيرة ولا ينتهي باللوحات الفسيفسائية الكبيرة، فقد كانت منبج، كما كل سورية، مهداً لحضارات عدة، فسميت منبج المدينة المقدسة وعرفت المدينة أوج ازدهارها زمن الرومان، إذ عرفت المدينة أكثر من اندثار لتعود من جديد، والرومان اعتنوا بها عناية خاصة، وتدل بقايا الأقنية على ذلك، وندر أن يخلو بيت في منبج القديمة من لقى أثرية، ويركز الأهالي بحثهم عن اللقى الذهبية دون سواها غالباَ على عكس الخبراء الذين يبحثون عن كل شيء.

وهناك عشرات المواقع خارج مدينة منبج، يقول أحد خبراء الآثار في المدينة: «كانت منبج محجاً ومزدهرة، وذلك لا يعني أن ريفها خال من الآثار بل هناك عشرات المواقع الأثرية المكتشفة مثل: تل عرب حسن، جعدة المغارة، تل العبر، شاش حمدان، صرين،…»، ولا يقتصر الأمر على المواقع المعروفة، فأثبت الواقع أنّ كل القرى المسكونة حالياً تحتوي على آثار، وتدل الحجارة الموجودة على ذلك، فضلاً عما يعثر عليه الأهالي أثناء حفر الأساسات، أو الآبار، أو الحراثة.

ولا يجد سارقوا الآثار السورية صعوبة في التسويق، سواء على مستوى اللقى الصغيرة أو على مستوى المجسمات الكبيرة، يقول صدام، وهو أحد المهتمين بالتنقيب إن «السماسرة في كل مكان، ولكن السارقين الكبار لهم شبكاتهم وقنواتهم الخاصة بدءاً من سورية إلى تركيا فأوربا، فآخر مشكلة تواجههم هي تأمين التسويق، فالآثار السورية الحقيقية مرغوبة، وفي الفترة الأخيرة كان يقوم المالك لقطعة أثرية بتصويرها ويرسلها للسماسرة الذين يقومون بعملهم وإيجاد راغب بشرائها» وساعد على هذه السهولة غياب الدولة والهيئات الدولية الراعية، فضلاً عن مساهمة رجال النظام – ولا سيما رجال الأمن – في هذه السرقة.

ويرى خبراء أن سرقة ونهب وتدمير بعض الآثار التاريخية في سوريا، يعد أكبر تهديد للأعمال الفنية والآثرية منذ الحرب العالمية الثانية، وكما يرون أن الكثير من التحف الاثرية هناك تباع عبر وسطاء الى خليجيين أثرياء من محبي جمع التحف.

إن سرقة الآثار هي ضياع للتاريخ السوري الذي لا يقدر بثمن، وتشويه لمستقبلها، فهذه الآثار دليل على تمازج الحضارات على الأرض السورية، ودليل على إسهام السوريين في بناء الحضارة الإنسانية، فآثار الإنسان في سورية تعود للعصر الحجري القديم الأدنى أي منذ حوالي مليون سنة، ومن بلاد الشام انطلق الإنسان شرقاً إلى وسط وشرق آسيا، وشمالاً إلى أوربا. وسبق أن قالها المؤرخ أندره بارو، إنّ كل إنسان في العالم له وطنان: وطنه الأصلي وسورية»، فالشعب السوري تكون من كل الشعوب التي نزلت هذه الأرض من كنعانيين وكلدان وأموريين وحثيين وآراميين وآشوريين وأكاديين وغيرهم وشكل الكل الفسيفساء السورية، وترك الكل آثاراً تدل عليهم وعلى حضارتهم، وبالتالي يخشى زوال جزء من هذا التاريخ بسرقة الآثار، فالآثار السورية تختلف عن الآثار في بقية بلدان العالم بأنها للإنسانية جمعاء، وبأنها تمثل التاريخ الإنساني.

 من إرشيف ضوضاء

شاهد أيضاً

تضارب حول قتلى إيران بقصف حماة وحلب

تضاربت الروايات الرسمية التي تناقلتها وسائل الإعلام الإيرانية بين تأكيد ونفي خبر مقتل عشرات العسكريين …