الأحد , فبراير 25 2018
الرئيسية / صحافة دولية / تحقيق / آثار السويداء حقيقة تقارب الخيال

آثار السويداء حقيقة تقارب الخيال

حين تتحول آثار محافظة إلى “كومة حجر” في نظر مسؤولي النظام

تاريخ السويداء ينهب

تتمتع سوريا بتراث أثري وتاريخي بالغ الأهمية، حيث يوجد فيها ثمانية وثلاثين متحفاً، تتوزع على غالبية المدن والمحافظات، وتضم في خزائنها مئات الآلاف من اللقى والتحف الأثرية والتراثية التي تعود لأزمنة مختلفة. لكن معظم مناطق البلاد، الغنية بالمواقع الأثرية القديمة، تشهد اليوم نهبا وتدميراً ممنهجا لإرثها الحضاري، سواء من قبل النظام وقواته، وما يتبعها من ميليشيات، أومن جانب منظمات ومجموعات محترفة. وكما هو الحال في معظم هذه المناطق، تمر المواقع الأثرية في محافظة السويداء بمرحلة خطرة وحساسة، بل بواقع قاسي دفع البعض إلى القول إنهم حين يمرون بمعلم أثري في السويداء، فانهم يفضلون إغلاق اعينهم حتى لا يروا أثار التعدي والتخريب التي طالت آثار هذه المحافظة وأوابدها.

وجه أحد مراسلي “ضوضاء” في السويداء، مجموعة من الأسئلة  لمختصين ومهتمين حول ما يوصف بالواقع المأساوي الذي تمر به هذه الثروة الوطنية. يقول أحد المتابعين إن “بعض ضعاف النفوس، ممن يملكون عقارات أثرية في السويداء، قاموا بالتعدي عليها، عبر تجريف أجزاء منها بهدف إشادة بناء حديث والاستفادة من القفزة العمرانية في مدينة السويداء، واستغلال ما أمكن من فورة الإيجارات في المحافظة”. ويضيف بالقول: “تتمثل هذه المخالفات ببناء غرف منزلية حديثة ضمن حرم المواقع الأثرية، والعمل على إزالة بعض الجدران الأثرية، إضافة لقيامهم بإجراء حفريات غير نظامية داخل المواقع الأثرية، لدرجة إن الرقم الرسمي من دائرة الأثار للتعديات فاق 120 ضبطاً هذا العام” .

بالعودة إلى عصور بعيدة، يفيد القول إن تاريخ السكن في السويداء يرجع إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، وينقسم مركز المدينة تاريخياً إلى ثلاثة أجزاء، المدينة العليا والحي الشرقي والحي الجنوبي، وهذه الأحياء تعود إلى عصور تاريخية متنوعة، منها البيزنطي والروماني، وتوغل في القدم بين القرنين الثاني والسادس الميلادي.

ويضيف المصدر في عرضه للواقع أن “هذه التعديات وبرغم الضبوط المنظمة بحق المخالفين، تقع ضمن الحرم الأثري غير المسموح بالبناء ضمنه، أو في مناطق ممنوع البناء داخلها، كما يقوم بعض المواطنين بزيادة عدد الطوابق غير المسموح بها في هذه المواقع”. ويعزو ازدياد حالات التعدي هذه إلى “تهاون الجهات التنفيذية، ولاسيما مجالس المدن والبلدات مع أصحاب هذه المخالفات، خاصة من كان منهم مقرباً أو تابعاً لجهة أمنية، عدا عن عدم فاعلية محاولات إيقاف هذه المخالفات”.

وفي الصدد، يروي أحد الإداريين أن “هناك روتيناً قاتلاً، في المراسلات الرسمية، وغالباً ما تصل متأخرة، حينها، يكون من ضرب ضرب.. ومن هرب هرب! كما أن عدم استجابة الوحدات الإدارية، لإجراءات دائرة آثار السويداء المتخذة بحق المتعدين على المواقع الأثرية، شجع مرتكبي هذه التعديات على الاستمرار”. ويؤكد أن “الاعتمادات المرصودة سنوياً لأعمال الترميم والتنقيب والاستملاك قليلة جداً، بحسب دائرة الآثار، ولا تلبي حاجتها، علماً أن بعض هذه المواقع مثل (شهبا- قنوات- شقا- صلخد)، بحاجة دائمة لأعمال ترميم وصيانة وتأهيل وتنقيب”.

اللافت هو استمرار منح تراخيص البناء في هذه المواقع الأثرية، وعليه ينقل مراسل “ضوضاء”، عن أحد الموظفين في المجلس البلدي، أن “هناك أكثر من إشارة استفهام حول مسألة منح التراخيص. فكثير من الناس يقومون بأعمال البناء، بعد حصولهم على تراخيص نظامية من حكومة النظام، رغم مخالفتها لقانون الآثار، وحجة منحها هو تخديم المواطن”. وقد صدر سابقاً قرار يلزم بتسجيل البيوت القديمة والمواقع الأثرية الواقعة ضمن المدن القديمة (السويداء- شهبا- صلخد)، وتم وضعها في عداد المواقع الأثرية. وتم إلغاء القرار لاحقاً، وذلك “تلبية لمطالب المواطنيين، في ظل الارتفاع الجنوني لاسعار العقارات في مدينة السويداء وضواحيها”.

مواقع مهمة.. ومهمشة

من المواقع الأثرية المهمة، التي عانت من الأهمال، “خربة أبو لابد”، التي طمست معالمها منذ أكثر من 25 عاماً، وتقع على طريق الكورنيش الغربي في مدينة السويداء، ولم تسجل دائرة آثار السويداء الخربة ضمن آثارها في حينه، والواقع أنه لم يبق منها شيء اليوم للتسجيل. واكتشف في مغارة، جنوب غرب الخربة، تماثيل حجرية نقلت إلى متحف السويداء. أما منطقة “المُغر” في وادي السويداء، من جسر الطبالية ونحو الشرق، فعانت أيضا الأهمال، وكذلك “الجسر الروماني القديم”، الذي طمس مبدئياً بسبب إقامة سوق الخضار غير المستخدم تحت الجسر.

وفي تعليقه على الأمر، يقول حسين زين الدين، مدير الأثار والمتاحف في السويداء، إن “من مسؤولية المديرية الحفاظ على هذه المعالم التاريخية، ومن أولوياتها “بركة الحج”، وهي مشكلة المشاكل”. فمنذ العام 1970، تم طي تسجليها من الآثار “وحولت إلى ملاك بلدية السويداء، وسيقوم مجلس البلدية، بموافقة مديرية الآثار برقم 263/ص تاريخ 10-4-2013، باستثمار هذه المنطقة على العقارين رقم 6037/6036/ س ش 1/1 بمساحة إجمالية تقدر بـ 1440 م2. كما يوضح زين الدين، في حديث سابق لصحيفة محلية، أن “البلدية تريد إقامة مرآب طابقي للسيارات، مع استثمارها أيضاً للجهة الأخرى فوق الملجأ بموقف سيارات حالياً”. ومديرية الآثار تشترط في كتابها رقم: 263/ص ما يلي: أن لا يزيد ارتفاع منسوب السقف الأخير عن الشوارع المجاورة، وأن ينفذ الجزء الظاهر من المنشأ بعيداً عن الجدران الأثرية، بما لا يقل عن 5 م، عدم الإضرار بالجدران الأثرية، وأن يتم تصريف المياه وفق رؤية متخصصين من مديرية الآثار، وأن يتم التنسيق مع الآثار بشأن التصميم العام والدراسات التفصيلية.

وهنا يمكن طرح بعض التساؤلات حول المسؤولين عن هذا الموضوع، لماذا لا يستثمر المكان سياحياً، لماذا يتم تغوير المياه، علما أن المياه هي من أصل المكان وليست آسنة كما يشاع، كذلك من سيحافظ على الجدران التاريخية الأثرية؟ وكيف؟.

مواقع تتنظر قرارات الاستملاك

ليس سراً أن جوانب المسرح الكبير مرفوعة للاستملاك منذ العام 2006، وكذلك قلعة النعمان بن المنذر، غربي المشنقة، تنتظر المصير ذاته، وهي عبارة عن قلعة وقصر، كتب عنهما خبراء فرنسيون، يعودان للفترة الهلنستية. وفي السياق، يقول زين الدين إن “هذ القلعة محمية بموجب قرار تسجيل (ترميم فقط، مع منع بناء)”. كما إن الجامع الموجود مقابل صالة “كاناثا” يحتاج إلى تنسيق مع صاحب العقار لمحاولة استثمار الموقع، بالاضافة إلى الحمامات الموجودة في بيت حافظ دوراة، غربي المسرح الصغير، ويؤكد مدير الأثار إن كتاباً بخصوص استملاكها رفع ولم يرد أي رد عليه .

من المواقع التي تتنظر قرارات الاستملاك أيضاً، مقبرة رافع غربي المسرح وإلى الجنوب، وقد رفع كتبا بخصوص استملاكها منذ العام 2006، ولم يرد أي جواب حتى اللحظة، علما أن المديرية العامة للآثار تعارض هذا الاستملاك. وهناك أيضاً معبد ذو الشراه (أعمدة شارع البلاط من بقاياه)، وشارع نجمة (الشارع المستقيم) والسوق المحاذي على الجانبين من المشنقة إلى ساحة النجمة. ويقول زين الدين: “نقوم بزيارات دائمة للمكان، مع العاديات ورئيس البلدية، وقد تم تقرير الكشف عن البلاط الأساسي وإزالة الزفت، ومن ثم ترميم المكان”. وهناك أيضا معبد “آلهة المياه”، غربي المشنقة، حيث جرى استملاك بعض من أجزائه والباقي تحت شارع نجمة، بانتظار تعديل مسار الشارع.

ومن المواقع المهمة التي يمكن تسليط الضوء عليها:

  • قرية قراصة: تم اكتشاف مواقع تعود للعصور الحجرية في محيط بحيرة. كانت تتشكل منذ زمن بعيد، وعلى ضفتها الشمالية مساكن تعود للألف الحادي عشر قبل الميلاد. وأيضاً موقع التل الغربي، الذي يعود للقرن التاسع قبل الميلاد، والتل الجنوبي الذي يرجع إلى فترة العصر البرونزي .
  • قرية المجدل: لوحة فسيفساء تبلغ مساحتها 2×3 م تقريباً، تعود للفترة الرومانية المبكرة. تحتوي على مقبرة موجودة في دار رومانية قديمة، وكنيسة تعود للعصر البيزنطي، وبيوت أثرية كثيرة جداً .
  • شقا: القيصرية والدير والكنيسة، تعود للفترة الرومانية، ويذكر وجود مسرح غير مكشوف حتى الآن.
  • صلخد: القلعة الأثرية الهامة التي سترمم العام القادم، وفق تصريحات المسؤولين في حكومة النظام.
  • بوسان: البرج، وبقايا معبد، إضافة إلى بيوت أثرية.
  • المشنف: المعبد تم ترميمه، وتم الكشف عن ساحته من قبل البعثة الألمانية السورية في العام 1997.
  • قرية بريكة: إلى جنوبها معلم هام جداً، يعرف باسم “دبة بريكة”، التي يعتقد من خلال البحوث الحديثة إنها مملكة دبو القديمة، التي ذكرت في مراسلات تل العمارنة، ولوائح تحوتمس عند الفراعنة، وكذلك مراسلات الأشوريين .
  • سيع: هناك مجمع المعابد، الذي يعود للفترة النبطية والرومانية، وتم مؤخراً اكتشاف معالم مهمة جداً فيه.
  • إم الرمان: هناك مغارة تدعى الهوة، وتعد أطول مغارة بازلتية في الشرق الأوسط،  وحسبما أفادت دراسات من خارج سوريا، يبلغ طولها حوالي 1600 م. وقامت جمعية العاديات بوضع باب للمغارة، وذلك في محاولة الحفاظ عليها، ولكنه سرق، وتركت المغارة تحت إشراف البلدية دون حماية، علماً إنها من المواقع المهمة وذات قيمة سياحية كبيرة، وتحتوي على تشكيلات (صواعد ونوازل)، وهي من المواقع النادرة في العالم، حسب خبراء.

معوقات تواجه عمل مديرية الآثار

من أبرز المعوقات التي تقف في طريق عمل مديرية آثار السويداء، وفق ما يوضح المسؤولون في المديرية، هو عدم وجود أفق استراتيجيا، لعمليات التنقيب والكشف عن الآثار، وكذلك غياب الميزانيات المخصصة والكافية لهذا العمل، فمخصصات مدينة السويداء ومدنها وقراها من الميزانية المخصصة لأعمال الترميم والتنقيب قليلة جداً جداً، ولا تكفي لعملين أو ثلاثة على الأكثر في العام، ذلك، بالاضافة إلى عدم صدور قرارات الاستملاك النائمة في أدراج المسؤولين منذ زمن.

أما أحد فنيي الآثار، والموظف في مديرية آثار السويداء منذ أعوام، الذي رفض الكشف عن اسمه، فيرى أن هناك غياباً لقرارات الاستملاك عن مواقع أثرية هامة في المحافظة، في حين تأخرت قرارات أخرى، ويتساءل بالقول: “إن الميزانيات غير كافية للكشف عن موقع صغير، فكيف لمواقع بهذه الضخامة والأهمية أن تجد من يكشفها؟”. كذلك ليس هناك عدد كاف من الموظفين والمراقبين لحراسة المواقع المكتشفة، في ظل استغلال الأزمة التي تمر بها البلاد، وما يرافقها من انفلات أمني، وسط استمرار تنفيذ عمليات مخالفات بناء ضمن البلدة القديمة في المدينة، يضاف إلى ذلك عدم وجود برنامج لتأهيل المناطق الأثرية في القرى والبيوت التراثية كجاذب سياحي للمحافظة، عن طريق طرح استثمارات كمطاعم ومقاصف ومحال شرقيات، بالتنسيق مع أصحاب العقارات.

مشاريع قيد التنفيذ

يوضح حسين زين الدين أن هناك مشاريع وأعمال في طريقها للتنفيذ، مشيراً إلى أن قلعة صلخد مخصص لها 5 مليون ليرة سورية لبدء العمل في ترميمها، وستكون في متناول مديرية الآثار في العام القادم. كما ستستكمل أعمال التنقيب في مواقع: دبة بريكة، سيع وقنوات، وموقعي (المسرح والكنيسة) في السويداء. ويؤكد زين الدين على “ضرورة تعاون المواطنين والأهالي والصحافة في الكشف عن الكنوز التاريخية في هذه المدينة وقراها، وضرورة تعاون المديريات التي يخصها هذا العمل، وهي البيئة، والسياحة، ومجلس المدينة، ومؤسسة المياه، إضافة إلى الآثار، لإظهار واستثمار الموقع المميز والتاريخي لهذه البقعة من الوطن”.

وتفيد الاشارة هنا إلى أن هذا العام أنجز ترميم وتأهيل وتدعيم البوابة الجنوبية في مدينة شهبا، التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي، وترميم جدار ساحة المعبد الإمبراطوري في المدينة، وقيصرية شقا الأثرية، والكنيسة الأثرية في بلدة ملح. أما المتحف، فما زال قيد الدراسة.

“كلهن كم حجر مش محرزين”

ونقل مراسل ضوضاء أكثر من شهادة تفيد، بأنه سبق وأن تشكلت لجنة من نقابة الفنانيين والمهندسين، وبناء عليه قدمت عريضة ضد مرور الطريق المحوري الذي يهدد تاريخ السويداء، وفي لقاء اللجنة مع المحافظ ابراهيم هنيدي، لم يتردد الأخير في تهديد أعضاء اللجنة “بالسجن العرفي لمدة 6 أشهر لكل شخص”، اذا “تم اثارة الموضوع مرة أخرى”. أما مدير الآثار السابق في السويداء، علي ابو عساف، فأبلغ اللجنة ان الطريق “سيمر لأن وراءه أشخاص بالقصر الجمهوري، ولن يستطيع أحد ايقاف المشروع”. ولدى طرح مشكلة الآثار، قال أبو عساف: “منعمل مثل باب شرقي، منمرق الجسر من تحت المشنقة، فقال له أحد الفنانين: يادكتور انت مش رايح عالمنطقة ولا بتعرفها، لان مستحيل هذا الحل، فرد بالقول: “منعمل الطريق فوق المشنقة بس الطريق بدو يمر، وكلهن كم حجر مش محرزين”.

وتؤكد  مصادرمطلعة على تاريخ المنطقة ل مراسل “ضوضاء”، أن “القائمين على هذا المشروع من والمحافظ  ورئيس البلدية حينها “تيسير ذبيان”، وضباط فروع الأمن (بينهم ذيب زيتونة ومحمد الشوشة)، قاموا بنشر مخطط تنظيمي أولي، فقام مجموعة من السماسرة بمحاولة شراء المنازل التي يخترقها الطريق المحوري بأسعار بخسة، يؤكد الكثيرون أنهم واجهات ل “القائمين على المشروع” أنفسهم، بحجة أن المنازل ستهدم”. وتضيف المصادر ذاتها، أنه “بعد أن تمت عملية الشراء، تم تغير اتجاه الطريق، لتتحول العقارات الممتلكة من قبل هؤلاء إلى جانبي المحوري، وبالتالي تضاعف أسعار العقار”.

أخيراً تبنى مجلس الأمن الدولي، قراراً يقضي بحظر كل تجارة الآثار في سوريا، ونص القرار أيضا على أن ممارسات النهب والسلب والتدمير والاتجار غير المشروع، التي يتعرض لها التراث الثقافي، لا تمثل مأساة ثقافية فحسب، بل إن الأمر يتعلق أيضا بضرورة اتخاذ تدابير سياسية وأمنية عاجلة، في كافة الجهود الرامية إلى احلال السلام. علما أن العراق استفاد من قرار أصدرته الأمم المتحدة، يحظر الإتجار في آثارها بعد الغزو الأمريكي عام 2003. لكن المعضلة في سوريا تكمن في انه لا يمكن لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، العمل داخل المحافظات (الخاضعة لسيطرة النظام) مثل السويداء، دون إذن من النظام ذاته، وهو الأذن الذي لا يبدو أنه قد يصدر قريبا.

المصدر: من إرشيف ضوضاء

شاهد أيضاً

ردود أفعال دولية “مرحبة” بهدنة سوريا

قال متحدث باسم وزارة #الخارجية_التركية في بيان إن بلاده ترحب بقرار مجلس الأمن الدولي بشأن وقف إطلاق النار …