الأربعاء , سبتمبر 19 2018
الرئيسية / صحافة دولية / رأي / مآسي السوريين بعدسة تركية

مآسي السوريين بعدسة تركية

مقداد خليل

 

المخرجة التركية الشابّة (أيلم شَن) المقيمة في مدينة إزمير، لديها اهتمامٌ واسعٌ بالشأن السوري، وخاصّةٍ بعدما عاينت عن كثب مآسي بعض النازحين السوريين، واستمعت إلى قصصهم حول ما تعرّضوا له داخلَ سوريا وشاهدوه. هذا الاهتمام أيضاً جعلَ هاجسَها لشهور صناعةَ فيلمٍ تسجيلي يعرضُ ويوثّقُ بكثافة مقاطعَ من حياةٍ يوميّة تتّصلُ بذاكرةٍ لا ترقد. أرادت (أيلم) أيضاً أن تكثّفَ رغبتَها في العمل التسجيلي من خلال الرصد الممكن، معتمدةً على كادرٍ وأدواتٍ بسيطة جابَت في خطّة سيرِها مدناً ومواقعَ متباعدةً في تركيا، حيث التقَت من السوريين التنوّعَ الذي يُحكى عنه في الأثنيّات والأديان والمذاهب، ووجدت الهمَّ لا ينفصمُ بينهم، أوإنّه عنصرٌ يجتمعون حوله.
رأت في حركة النزوح ما يشبه هجرةَ الطيور، اختارت العصفورَ – الطائرَ الضئيلَ – عنواناً لفيلمها، فهم في قفصهم لاجئون ونازحون في أراضي اللجوء والمنازح، وجسدُ النازح السوري أمسى قفصاً لقلبه، وآزرَ اختيارَ (أيلم) أغنيةُ مارسيل خليفة الشهيرة المؤدّاة بصوت أميمة الخليل (عصفور طل من الشبّاك) العنوان، فكان لا شكّ فيه أو ارتياب. فخلالَ (20) دقيقة تُحكى سيرةُ النزوح السوري ومأساةُ سوريا على ألسنة عربٍ وكردٍ وشركسٍ وأرمن من سوريا، إضافةً لمساهمات المتعاطفين من الترك.
تصاحبُ مقدّمةَ الفيلم هدهدةُ أمٍّ لطفلَتَها داخلَ حُجرةٍ تأوي أُسرةً: «يا الله تنام ندبحلا طير الحمام» هدهدةٌ تقليديّة، لكنّها تبدو قاسيةً في فحواها إذ تغوي الأمُّ طفلتَها بالنوم لتكافئها بنحر حمامة! وراءَ نافذةٍ مسيّجة طفلٌ باسمٌ يمدُّ يديه عبر القضبان، يقولُ واهماً أو مازحاً بأنّه كان يحوزُ مسدّساً في سوريا، وقد قتلَ به أحدَهم (في إشارة إلى انتشار قصص القتل، وعدم اقتصار مشاهدتها والسماع بها على الكبار). امرأة تنظرُ إلى الجبال وتتذكّر الأرضَ السوريّة القابعة خلفها، وتتذكّر كلمات الأغنية: «يا جبل البعيد خلفك حبايبنا».

مشاهد أرشيفيّة من قصف المدن والقرى، وأخرى لإسقاط تمثالٍ لحافظ الأسد، يرافقُ ذلك غناءُ أميمة الخليل لأغنية (عصفور طل من الشبّاك)، تحاولُ المخرجةُ أن تشيرَ إلى ممهّدات النزوح واللجوء معتمدةً على أرشيفٍ مختزل. مشهدٌ آخرُ عنيفٌ من الأرشيف، فيه يقومُ متطرّفون بإعدام رجالٍ مدنيين جثاةٍ رمياً بالرصاص في أقفيتهم. لاجئان يتحدّثان عن تجربتهما المريرة في دخول الأراضي التركيّة من خلال اجتياز الحواجز الشائكة والفُسَح الملغومة. تعودُ أغنية العصفور إلى الصعود مجدّداً، تصعدُ معها الكاميرا ببطء حتّى تنتهي إلى قفصٍ صغيرٍ منصوبٍ أعلى الجدار، وفيه طائرٌ مغرّدٌ حبيس. داخلَ مكتبٍ يبدو مرتفعاً، نافذتُه واسعة، رجلٌ سوريٌّ، مهندس متخرّج من إحدى جامعات كرواتيا قبل أكثر من (25) سنة، عاش في حلب إثرَ رجوعه من كرواتيا، والآن مأساةُ سوريا أرغمته على النزوح شمالاً برفقة ابنه. شهاداتُ سوريين عن معاناتهم في هاتاي وأنطاكيا. امرأة تتذكّر، كانت قريتُها تقع في ريف حماة محاطةً بالجبال، ولمّا بدأ طيرانُ النظام بقصفها كان عمرُ ابنتها أقلّ من (20) يوماً، ما اضطرّها للنزوح إلى تركيا بعد أيّام قلائل، وبسبب فقرها المدقع قامت بتنظيف وتوضيب حظيرةٍ ريفيّة لتسكن فيها مع أطفالها. امرأة أخرى في الريحانية خوفاً على أولادها، ولجت المجهولَ، ورأت بؤسَ الكثير من الأُسَر السورية (خلال حديثها تتنقّلُ الكاميرا ملتقطةً مظاهرَ متفرّقةً من معاناة اللاجئين)، تؤكّدُ المرأةُ على حاجتهم الماسّة للرعاية. سيّدة تركيّة عضوة في جمعيّة دعم إنسانيّة تتكلّم عن ضرورة تقديم المعونات للاجئين، وتسردُ تفاصيلَ عن معاناتهم وعن المهمّة غير اليسيرة الملقاة على عاتقهم، وأثناءَ كلامها؛ الكاميرا تنشغلُ بأطفالٍ ترصُدهم من بعيد واقفين داخلَ بابين خارجيين متجاورَين، تلوّحُ عيونُهم بالبهجة رغم كلِّ شيء للعدسة ومَن خلفَها. فجراً، أربعةُ شبّانٌ يقتعدون شرفةً في منطقة (بسمانه) بإزمير، ورجالٌ في الأسفل في صفٍّ يفضي إلى نافذةٍ تتبعُ مسجداً هناك يحملون صحوناً تمتلئُ بالطعام حالما يصلُ عاملَ المسجد، يعودون بالصحون المليئة ليجلسوا إلى طاولاتٍ شاغرةٍ في حديقةٍ خارجيّة للمسجد. (إيمينونو) إستنبول، أُسَرٌ محتشدةٌ داخلَ جدرانٍ مُخَدَّشة مهترئة، فتاةٌ محدّقة في العدسة تتشبّثُ بسياج نافذة. أُسرةٌ كثيرةُ الأفراد تعاني، النسوة يعملنَ بأسعارٍ بخسة، كبراهنَّ مطلّقةٌ معيلة. شابٌّ يعملُ في مشغلٍ لترميم العجلات يبتسم ويقارنُ ما بين العيش في سوريا وتركيا، ويريدُ العودةَ ليستكملَ دراستَه، شابٌّ آخر يعملُ صانعَ حلوى تترصّده الكاميرا أثناء عمله. خارجَ أحد الأبواب اكتظاظٌ بالأحذية، عبرَ الباب المفتوح يتجلّى الداخلُ المزدحم بالأشخاص، وبإمكان الرائي أن يتخيّلَ حجمَ الأحاديث والمشاعر هناك. يظهرُ نازحون ليتحدّثوا عن صعوبة تأمين العيش، وانعدام العمل، أطفالٌ عديدون يتحرّكون داخل البيوت، مجدّداً تتناهى الهدهدة: «يا الله تنام».

إزمير- أوتوكار- ساحة ضيّقة قريبة من الكراج الرئيسي للحافلات، يجتمعُ أطفالٌ سوريّون بغرض التسوّل عند إشارة المرور، يبدون في مرحهم وكأنّهم يلعبون. رجلٌ يرسم على حائط بيته بجانب مرآةٍ واسعة. صبيٌّ يقتعدُ كرسيّاً في صدر غرفة وعلى جانبيه أطفالٌ، يقولُ بأنّ سوريا كانت أفضل، فهنا لا يتقنون لغةَ البلاد، ولكن هنا مفاضلةً في الأمان أحسن. المهندس السوري يريد أن يكون سلام، فيرجعَ إلى داره، امرأةٌ فقيرة تتمنّى أن تنتهيَ الحرب، الطائرُ المغرّدُ في قفصه وأغنية العصفور، أطفالٌ يتداولون الكرّاسات يتعلّمون، دفاترُ وأقلامٌ وخجل، المرأة التي كانت تتذكّر واقفةً نصبَ الجبل تتحدّثُ عن الحنين والعودة.
لقطةُ الختام إشارةُ النصر تمتدّ بإصبعين، صاحبُهما خفيٌّ وراء جدار، كاميرا ثابتة وإصبعان ثابتتان فيما ينتهي الفيلم.

صورٌ فوتوغرافيّة مميّزة ملحقة بالفيلم: أطفالٌ حيويّون في صورٍ عديدة، امرأة واقفة في طابعٍ رسميّ حاملةً طقمَ زفافِ زوجها الغائب على مشجبٍ لصقَها، وشومٌ سوريّةٌ تغطّي ظهرَ أحد الشبّان، فتاةٌ قريبةٌ داخلَ بابٍ موارب.

لغةُ الفيلم تماشياً مع شخصياته توزّعت على ثلاث: العربية والكردية والتركية، إضافةً لترجمة العربي والكردي إلى التركية.

المصدر: من إرشيف ضوضاء

شاهد أيضاً

السعودية تهدد بـ”السعي لحيازة سلاح نووي” في حال استأنفت إيران برنامجها

هدد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في تصريح لشبكة “سي إن إن” الأميركية الاربعاء إن …