الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية / ضوضاء / اقتصاد / الاستجابة الدولية للاحتياجات الإنسانية في سوريا- مؤتمر لندن للمانحين نموذجاَ

الاستجابة الدولية للاحتياجات الإنسانية في سوريا- مؤتمر لندن للمانحين نموذجاَ

مازالت الازمة الإنسانية الناجمة عن الحرب في سوريا تلقي بظلالها على مصير ملايين السوريين في الداخل وفي دول الجوار، وما زالت تشكل تحدياَ بالغاَ للمجتمع الدولي، الذي بقي عاجزاَ خلال خمس سنوات من عمر الثورة عن معالجة الأثار الإنسانية للحرب، ناهيك عن مسبباتها. وبصريح العبارة يمكن القول ان الجهود الدولية بقيت قاصرة ولم تستطع توفير حد أدنى من مقومات الحياة للسوريين على خلاف انتماءاتهم.

بلغة الأرقام التقريبية، المعبرة عن هول المأساة الإنسانية وفجاعتها، يقدر عدد الضحايا بنحو 400 ألف قتيل، وحوالي مليون جريح، بحيث تراجع معدل متوسط الأعمار من 70 عاما عام 2010 الى 55,4 عام 2015، كما اضطر اكثر من 5 ملايين سوري للجوء الى دول الجوار، ونزح أكثر من 8 مليون سوري في الداخل، إلى جانب الدمار الشامل أو الجزئي لمرافق البنية التحتية من مستشفيات ومدارس والمنشآت الخاصة، وحوالي 70 ألف شخص لقوا حتفهم نتيجة نقص الرعاية الطبية والصحية والمياه النظيفة، بموازاة مئات آلاف الأطفال ممن لم يعد بإمكانهم الالتحاق بالمدارس، ما يعني تهديد جيل كامل بالضياع.

هذه الواقع المأساوي فرض تحدياً كبيراَ على المجتمع الدولي، واستدعى شحذ الطاقات والأموال لاستدراك الأضرار الناجمة عن الحرب، وبالفعل، وفي جانب الاستجابة، عقدت برعاية الأمم المتحدة عدة اجتماعات للدول المانحة كان آخرها –وهو الاجتماع الرابع- المنعقد في لندن في 4 شباط 2016، لتلبية بعض جوانب الاحتياجات الإنسانية للاجئين والنازحين السوريين، وعقد المؤتمر بحضور ممثلي حوالي 70 دولة –بينهم 30 رئيس دولة- وممثلي المنظمات الدولية وغير الدولية ذات الصلة، إضافة إلى القطاع الخاص، فيما اقتصر حضور الأطراف السورية على المنظمات غير الحكومية وهيئات المجتمع المدني في تجاهل تام لحكومتي النظام والمعارضة.

من خلال الاضطلاع على الأهداف المعلنة لمؤتمر لندن يمكن التأكيد على أنه هدف بشكل أساسي لتوفير سبل أكثر استقراراً 56bd0983c461885a168b45efواستدامة لبقاء اللاجئين السوريين ضمن بلدان الجوار من خلال التركيز على مسألتي العمل والتعليم، وعلى الرغم من أن المؤتمر أعلن أنه سيناقش في جدول أعماله مسألة إعادة الإعمار وإتاحة الأمل للسوريين لغد أفضل، إلا أن مسالة خلق الأمل المنشود افتقدت الإرادة الحقيقية، حيث تزامن المؤتمر مع إيقاف المحادثات بين طرفي المعارضة والنظام في جنيف، بينما سجل أيضا نزوح عشرات آلاف من السوريين في أرياف حلب نحو الحدود التركية وعفرين هرباَ من القصف الروسي.

في المحصلة هدف مؤتمر لندن إلى جمع حوالي 9 مليارات دولار أمريكي، على أن توجه هذه الأموال كالتالي: 7.73 مليار دولار من أجل دعم اللاجئين السوريين في سوريا والدول المحيطة، بالإضافة إلى 1.2 مليار دولار لدعم دول الجوار المتأثرة بالأزمة السورية، ولاسيما أن طول مدة الحرب في سوريا وموجات اللجوء المتتالية نحو دول الجوار خلق ضغطاَ متزايداَ على حكومات بعض الدول في ظل محدودية مواردها أصلاَ، فلبنان الذي لا يتجاوز عدد سكانه 5 مليون ويستضيف أكثر من مليون لاجئ، أعلنت حكومته حاجتها إلى ملياري دولار سنوبا لمواجهة ما وصفته بـ «زلزال اللاجئين»، بينما يعيش في الأردن 1.4 مليون لاجئ سوري مع وجود حاجة ملحة لرصد نحو 3 مليارات دولار لتوفير خدمات عاجلة للاجئين. ولا يختلف الحال عن ذلك في كل من تركيا حيث يقيم 2,5 مليون لاجئ، وكذلك العراق. مع الإشارة إلى أن الحكومة التركية، وعبر مفاوضات منفصلة مع دول الاتحاد الأوربي، حصلت على وعود بالحصول على نحو 3 مليار من الاتحاد مقابل تشديد الرقابة على الحدود للحد من موجات الهجرة غير الشرعية نحو دول الاتحاد، واتخاد التدابير اللازمة لدمج المزيد من العمالة السورية في سوق العمل، ولهذا لم يكن مستغرباَ أن تكون الدول الأوربية من أكبر المانحين أيضاَ في مؤتمر لندن أيضاً، حيث تعهدت ألمانيا بتقديم 2,6 مليار دولار وبريطانيا بتقديم 1,7 مليار دولار، بينما لم تتجاوز تعهدات الولايات المتحدة 92 مليون دولار.

على الرغم من ضخامة المبالغ المرصودة لتوفير احتياجات اللاجئين السوريين من خلال مؤتمرات المانحين أو المبادرات الفردية للدول والمنظمات الدولية ذات الشأن، إلا أن هذه الجهود لم تحصد النتائج المتوخاة، وهو ما يثير التساؤل حول آلية عمل المنح الدولية من حيث تقييم الاحتياجات وتقدير المبالغ اللازمة وعملية الصرف والمتابعة.

على الصعيد الدولي توجد مجموعة من المبادئ والقواعد تنظم عملية تقديم المنح بين الدول والمؤسسات المانحة والبلدان 2013_Syria_humanitarianaidالمتلقية المستفيدة، وهي قواعد تقنن العلاقة بين أطراف المنح وتوازن الحقوق والواجبات من حيث سيادة الدولة وأولوياتها الاقتصادية، وكذلك حق الدول المانحة بالاضطلاع والمتابعة، إلا أن هذه القواعد صعبة التطبيق في حالات الحروب، ولاسيما تلك التي تأخذ طابع الحرب الأهلية، حيث تتحول الحكومة المركزية، والتي يفترض فيها أن تكون القناة الرسمية للتواصل، إلى مجرد طرف للنزاع ما يقلل لديها عنصري الكفاءة والنزاهة، إلى جانب وجود عدد كبير من اللاجئين في دول الجوار، حيث تنتقل مهمة رعايتهم إلى المنظمات الدولية بالاشتراك مع الدول المضيفة.

في حالات النزاعات المسلحة والكوارث يتولى مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية -بقيادة منسق الأمم المتحدة لعمليات الإغاثة في حالات الطوارئ- الجهود الإنسانية وجهود الإغاثة لمنظومة الأمم المتحدة، ويقع ضمن مهام مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية جمع أحدث المعلومات عن حالات الطوارئ في جميع أنحاء العالم، وإطلاق نداءات دولية موحدة لحشد التمويل من أجل تقديم المساعدة.

وتضطلع لجنة تسمى اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات بالدور الرئيسي في تنسيق المساعدات التي تجمع بين جميع الوكالات الإنسانية الكبرى، في داخل منظومة الأمم المتحدة وخارجها. وتقوم اللجنة، التي يرأسها منسق عمليات الإغاثة في حالات الطوارئ، بوضع السياسات، والموافقة على تقاسم المسؤوليات بين الوكالات الإنسانية حسب اختصاصات كل وكالة، فمنها ما يهتم بشؤون الأطفال أو المرأة أو شؤون التعليم أو الصحة وغيرها.

لكن الأمور لا تسير دائماَ على هذا النحو، حيث تتعدد العوائق التنظيمية والمالية التي تحول دون فعالية المنح المقدمة، وفي مقدمتها مدى التزام الدول المانحة بتقديم المبالغ المتعهد بها، ففي توصيات مؤتمر الكويت الثالث للمانحين تعهدت الدول بتقديم 3.8 مليار دولار، بينما لم تتعدى نسبة التنفيذ الفعلي 43%، ومن ناحية أخرى تعمد بعض الدول إلى تقديم الأموال مباشرة لمنظمات المجتمع المدني والجهات الاغاثية بالتنسيق مع المنظمات التابعة للأمم المتحدة أو على انفراد تام، وتعاني هذه الاجراءات من ضعف في الشفافية واحتمال تسييسها بشكل أو بآخر، وهو ما يضر بمصداقية عمليات الإغاثة، ومن ناحية ثالثة فان تقديم أموال المنحة أو المساعدات العينية إلى أطراف الصراع مباشرة قد يحرم المحتاجين الفعليين اليها، نظراً لإقدام هذه الأطراف لحصر المساعدة بشرائح معينة من الموالين لها أو لكسب شرائح معينة على حساب الحاجة الحقيقة.

أحمد إلياس

شاهد أيضاً

خلافات بين المهربين على سيارة أسلحة صادرتها ميليشيا الدفاع الوطني في السويداء

صادرت ميليشيا الدفاع الوطني في مدينة شهبا أول من أمس الأحد سيارة محملة بالأسلحة، ومتوجهة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *