الجمعة , نوفمبر 16 2018
الرئيسية / ضوضاء / ثقافة وفن / فلم بيرسبوليس هوية أنثى وذاكرة بلاد تبعثرت في المنافي

فلم بيرسبوليس هوية أنثى وذاكرة بلاد تبعثرت في المنافي

قلّما حملت السينما في عقدها الأخير مثل هذا السرد الخلاب، فلم يشبه ساحر السيرك الذي يمتلك كل الأدوات ليسرقك من مقعدك وأنت أمام الشاشة، كل ما تحتمله الحياة من تراجيديا وكوميديا وكل ما تذخر به مكنونات ذاكرة مثقلة بالحب والهموم. الأسئلة الفلسفيّة والوجوديّة التي لا تموت تُناقَش في الفلم وتشركك بأصدائها عبر حوارات صادقة حيّة، وضمن إطار خيار فنّي جريء؛ فلم كرتوني ثنائي الأبعاد، يعتمد الأبيض والأسود والظلال الرمادية.

يحكي الفلم الذي أنتج عام ٢٠٠٧ في فرنسا؛ حكاية امرأة إيرانيّة تدعى مارجانه ساتاربي، من طفولتها حتى نضجها، وهي السيرة الذاتية لمخرجة الفلم وصاحبة الرواية الأصلية (رواية رسوم -كوميك) والتي أخذ الفلم عنها. تنشأ مارجانه في كنف عائلة متحررة ميسورة من الطبقة الوسطى الإيرانية، تختبر طفولةً سعيدة في سنين حياتها التسع الأولى. وتترعرع محاطة بإرث عائلتها النضالي في مقارعة الاستبداد؛ ثلاثة أجيال من العائلة يعرضها الفلم: جدّها المعارض الذين أعدِم على يد الشاه، ثم عمّها الشيوعي الذي أعدمه الملالي. أما المؤثّرات التي تنهل منها في تكوين بنيتها النفسيّة ومزاجها الفكري التحرري، فتأتي من منبعين الأول: الإلهام الأنثويّ عبر والدتها ذات الميول التحرريّة النسويّة والتي ترغب بأن تتلقّى ابنتها أحسن تعليم في بيئة منفتحة، وجدّتها التي تكاد تكون آلهتها الصغيرة؛ فهي الحكيمة الخبيرة بالحياة صاحبة الفكاهة الذكيّة التي تجابه بها كل تقلّبات الحياة، والمنبع الثاني هو المنبع الذكري، فتتأثر مرجانه بعمّها أنوشه المعتقل السابق ووالدها، فيُعرِّفانها بالتاريخ السياسي للبلاد وما عانته من استبداد نظام الشاه ونهب ثرواتها على يد القوى الغربيّة. ثلاثة أجيال تمرّ في الفلم كخلفيّة للبطلة، ثلاثة أجيال من أحلام التغيير التي لا تنطفئ لكنها تنتهي موزّعة بين المنافي والزنازين والقبور بعد استيلاء نظام الملالي الفاشيّ على الحكم.

حين تبلغ مرجانه التاسعة من عمرها، تنطلق الثورة في إيران ورغم لبوسها الدينيّ لا تتحّرج عائلتها عن الانضمام إلى الثورة، مقتنعةً بضرورة التغيير مثلها مثل العديد من أبناء القوى الديمقراطيّة والقوى العلمانية، وبضرورة إسقاط الاستبداد العثرة الأكبر في وجه التقدّم. بعد الثورة يُطلَق سراح عمّها، لكن سرعان ما يستولي نظام الملالي الفاشي على الحكم وتبدأ عملية الاغتيالات والاعتقالات في صفوف المعارضين، وينتهي المطاف بعمها (أنوشه) بالإعدام. في مشهد مؤّثر يطلب عمها لقاءها 28-29-30فلم بيرسبوليس هوية أنثى وذاكرة بلاد تبعثرت في المنافي (1)في الزيارة الأخيرة قبل إعدامه، ويُمنح عشرة دقائق فقط، يزرع فيها الأمل ويحدّثها باسماً على نحو يشبه المخلّصين (مثل المسيح) الذين يمضون إلى حتفهم موقنين بأنهم فداءٌ للبشر، وأن العالم بتضحياتهم سيغدو مكاناً أفضل. تتلقّى مرجانه بإعدام عمّها الصدمة القويّة الأولى في حياتها، وتعبر عن غضبها وعجزها في حوارها الذاتي مع إلهها الخاص الذي تتصوره رجلاً مسنّاً طيباً سمِحَ الوجه بلحية بيضاء يجلس فوق الغيوم، وتصرخ فيه لماذا تركت عمي يموت؟!، ولا يغادرها هذا الإله طيلة الفلم.

تتغوّل الفاشية الدينية في السيطرة على كل شيء في إيران على المجال العام للحياة والمجال الخاص للأفراد، لكن أسّها وأساسها يبقى أبداً محاربة النساء جسداً وروحاً، فُيمنَع الماكياج والتدخين على النساء، فهي حسب منطق الفاشية الكارهة لكل ما هو مختلف ومحتفي بالحياة مظاهر غربيّة منحلة. وسرعان ما تندلع الحرب بين العراق وإيران قيكتوي الناس بنارين، فإلى جانب الفقر والقمع، يبدأ القصف على المدن الإيرانية، و تبدأ حملات التجييش الديني، وإرسال المراهقين إلى ساحات الموت محمّلين بمفاتيح يدعي أصحاب العمامات أنها مفاتيح الجنة حيث الحوريات والنعيم.

ترفض مارجانه الطفلة التي ربّاها والدها على الحريّة الخضوعَ، وتدخل في صداماتٍ عديدة مع حرّاس الفضيلة (الباسيج) أثناء محاولتها الحصول على ألبومات الموسيقى المفضّلة لديها، وتصطدم بمُدرِّستها التي تبثّ دعاية النظام عن تحرير البلاد وتنكر وجود معتقلين سياسيين. يقرّر والدا مارجانه إرسالها إلى فيينا لتكمل دراستها هناك خشيةً عليها، وفي فيينا تبدأ المرحلة الأولى من حياة المنفى؛ بيئة غريبة عنها تنمّطها كإيرانية قادمة من بلاد الإرهاب، وتجابه مارجانه بفراغ الحياة الحديثة من خلال مجموعة أصدقاء تنضم إليهم ويقضون وقتهم في شرب الكحول وتعاطي الماريجوانا، وتستهويهم نزعات عدميّة، ويكرهون فروضات العائلة على خلاف مارجانه بارتباطها الحميميّ بدفء العائلة. ومن جهة أخرى لا ترويها العلاقات الجنسيّة المحض فيزيائيّة السائدة في محيطها الجديد.

وبمفارقة صادمة هنا أيضاً تصطدم بالسلطات الدينيّة حين تضطر إلى السكن في نُزُل طلابيّ تديره راهبات، فتظهر قسمات وجوههنّ القاسية المليئة بالكراهية على 28-29-30فلم بيرسبوليس هوية أنثى وذاكرة بلاد تبعثرت في المنافي (1)نحو يتماثل وبوليس الآداب الإيراني (الباسيج) مضافاً إليها عنصريتهنّ، ولاحقاً تعاني مارجانه خيبة الحب عبر علاقة تخوضها مع شاب نمساوي عابث متثاقف يستغلها. بعد كل هذه الانكسارات، ينتهي بها المطاف مشردة في الشوارع مفلسة منكسرة، وبعد أزمة صحيّة قاسية تطلب مارجانه من أهلها العودة إلى إيران، فالحنين استنزفها. ولدى عودتها، تكتشف كم أصبحت غريبةً عن بلاده، غربتها غربتان، فالكل يتعامل معها على أنها الإيرانيّة الأوربيّة سلباً أو إيجاباً، وبعد مرحلة اكتئاب وعزلة تقرر محاولة تغيير شيء والتأقلم مع السائد، فتسجّل في كليّة الفنون الجميلة، وتبدأ بالدراسة وتُجابَه بالمحرّمات الدينيّة التي تغتصب الفنّ أيضاً، فالأجساد الأنثوية كلها تُغطَّى وتُدرَّس نماذجها مستورة العورات، وفي لقاء طلابي يوجّه أحد المشرفين نقداً للنساء اللاتي لا تسدلن حجابهن، فتنقد بدورها ترك الرجال مرتاحين في لباسهم ومظهرهم ونقد النساء فقط. ولكنها سرعان ما تدرك عبث محاولة التغيير في أنظمة متحجرة فاشية عبر الحوار، وبعد قصة حب وزواج يتملكها السأم والتعب من كل شيء، وتقرر الطلاق، ثم تجيء حادثة وفاة أحد أصدقائها أثناء مطاردة بوليس الآداب له، وترحل طوعاً هذه المرة إلى منفاها الاختياري في باريس!.

رغم البساطة في مظهر الفلم لا يعني ذلك بساطة الطرح أو انتقاصاً من العمق السينمائي، ورغم أن الفلم تميز باقتصاد في العناصر (Minimalist) من حيث: الأنيميشن الأبيض والأسود، وبساطة رسومات الوجه، ذات البعدين فقط، دون وجود بعد ثالث، فقد برعت الرسومات اليدوية في التقاط أمزجة البطلة، وتوجهاتها الشخصيّة إزاء ذاتها والمحيط والأمكنة وتحوّلاتها، ويكتسب السرد السينمائي بعداً تجريديّاً عبر ملامح الوجوه البسيطة غير الملوّنة، ممّا يمنحها نزوعاً عالمياً، بعد تجرّدها من الأجساد الحقيقيّة الحيّة بتعيّناتها الفيزيائيّة والإثنيّة والمكانيّة. تشرح الرسامة والمخرجة مارجانه ساتاربي سبب لجوئها إلى الرسم اليدوي فتقول: “الخطوط التي تُرسَم بالكومبيوتر خالية من العيوب ومثالية، وهذا يسلب الشخصيات هويّتها، فالكائنات البشرية ليست كاملة، والخطوط المرسومة باليد تعكس أرواحهم”.

موضوعات الهويّة والذاكرة والمنفى تشكّل العمود الفقري للفلم، هويّة مارجانه الأولى المكوّنة ضمن عائلتها ذات الميول التحررية والوطنية، أما هويتها الأنثوية الأولى 28-29-30فلم بيرسبوليس هوية أنثى وذاكرة بلاد تبعثرت في المنافي (4)فتعبر عنها البطلة بجملة شاعريّة تصف بها نفسها: “طفلة تحلم بأن تحلق شعر ساقيها، وبأن تكون النبيّة الأخيرة على المجرة”، قبل أن تصطدم بالسلطات الدينية، وفي المنفى تكتمل هويتها بمرورها من المراهقة إلى النضج، وتجابه بمنفيين: منفى فيزيائي ببعدها عن مراتع الطفولة، ومنفى داخلي بابتعادها عن ذاتها كامرأة إيرانية ليبراليّة، ومعاناتها من العنصرية الداء الذي لا يخلو منه مجتمع، فينعتها أشخاص مختلفون بأوصاف عنصرية، فتوصف تارة بالمومس والسارقة، وتارة بالإيرانية البدائية التي إلى تفتقر أصول الكياسة واللباقة، وفي أحد المشاهد المعبرة عن صراع الهوية الداخلي تنكر أصولها الإيرانية في حديثها إلى شاب يتقرّب منها. وبعد عودتها إلى إيران تفاجأ بأن جانباً منها تطور وأصبح نمساوياً أو غربياً، إنها إيرانية في أوربا، وأوربية في إيران، هذا الصراع الذاتي النفسي على الهوية حقيقةً يضيء على أزمة العالم المعاصر الذي لم يتوصل بعد لصيغة ناجعة لتقبل الهوية المتنوعة الأوجه والخروج عن تنميط الآخر وأحادية الهوية رغم كل أطر التعدديّة الثقافيّة.

ويلعب فنياً التنقّل السريع في المشاهد بين مكانٍ وآخر وبين بيتٍ وبيت، في إعطاء الانطباع بالتشرّد، والشعور بالاقتلاع وتبعثر الهويّة، فلا مكان دائم يصحّ أن نسميه بيتنا، بل أماكن إقامة مؤقتة وإن طال بها مُستقرُّنا. وضمن هيمنة الأسود والأبيض لونياً على الفلم، يمر تقريباً مشهدان ملونان فقط، المشهد الأول الذي تظهر فيه مرجانه جالسة في المطار وتستعيد عبر تقنية الفلاش باك كل طفولتها وذاكرتها، والمشهد الثاني هو الختامي حين تعود إلى باريس. يفيد الفلاش باك هنا في الإيحاء 28-29-30فلم بيرسبوليس هوية أنثى وذاكرة بلاد تبعثرت في المنافي (6)بحضور الماضي الدائم، وثقل الذاكرة؛ ذوات متنوعة تجتمع عبر تنوع الأمكنة وتجارب الحياة في ذات أنثى واحدة.

الموسيقى التي كان لها حضور كبير في الفلم تحمل ما هو أكثر من النوستاليجيا، تخلق مساحة خاصة لمقاومة الاستبداد، مساحة حرية شخصية، ولعل هذا ما يدفع معظم الأصوليات الدينية والعلمانية (كالستالينيّة) إلى تحريم ومنع أنماط موسيقية عديدة، وتصبح الموسيقى لدى مارجانه أشبه بشعائرها الدينية الخاصة بها وطقوسها، ويكون بروس لي نبيّها في بدايات مراهقتها، إلى جانب إلهها الشيخ الجليل السمح العطوف.

قبل الرحلة الأخيرة إلى المنفى تودع مارجانه بلادها بزيارة سواحل بحر قزوين لتشم هواءها للمرة الأخيرة فحسب تعبيرها لا شيء يماثلها في العالم بأسره، ثم تحط الطائرة بها في باريس ويسألها سائق التكسي عن جنسيتها فتجيب بصوت متعب عميق: “من إيران”، وينتهي الفلم بصوت جدتها العذب الدافئ التي تشدّ حمالة صدرها فيتناثر منها الياسمين ويغمر الشاشة، الياسمين الذي ينتظره هؤلاء المنفيّون الموزعون في العالم، بعد أن عرفوا ملحمة الاقتلاع والرحيل، وانتهى بهم المطاف كلٌّ إلى منفى وكلّ إلى حياة خاصة لها لونها الخاص، تجمعهم ذاكرة لا تموت عن حلم بالحرية انقلب كابوساً، فهذه الأرض الشرق كما هي أرض الدكتاتوريات والحروب الأهلية الطاحنة، هي أرض للحب والأحلام التي لا تموت، وإن تقطّعت سبل الحياة بأبنائها.

عمار عكاش

شاهد أيضاً

تاريخ سوريا في أيدي اللصوص

محمود أحمد   ليس سراً أن نظام بشار الأسد لم يكتف بسرقة حاضر سورية وتدمير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *