الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية / ضوضاء / ثقافة وفن / مومياء شادي عبد السلام

مومياء شادي عبد السلام

 

مقداد خليل

“نظراتُه كأنّها لتمثال عادت إليه الحياة”. بهذه العبارة في فيلم “المومياء”، “يوم أن تحصى السنون” للمخرج شادي عبد السلام وصف مندوبُ دائرة الآثار، الذي أدّى دوره الممثل محمد خيري، نظراتِ وريث شيخ القبيلة الجبلية في (طيبة) ونيس، الذي مثَّلَ دوره أحمد مرعي. تخصصّ شادي عبد السلام بالتراث الفرعوني فنّاً، وأبدى انتماءً للتاريخ المصري القديم، حتى أن جلَّ أعماله الفنيّة استوحيت من القصص القديمة التي تمّ الكشف عنها مدوّنةً على الرقيمات الأثرية، وفي بطون المعابد، ومحفورةً فوق جدران الكهوف، ومنقوشةً على التوابيت، محمولةً مع الأهرامات العملاقة إلى عصرنا. ولدَ شادي، والدمُ الفرعوني يستنهضُه إلى الجذور.

الإسكندرية، الخامس عشر من آذار كانت ولادته سنة 1986 ليحيا 56 سنة. برزت اهتماماته الفنية مبكراً، تخرّج من كلية الفنون الجميلة بجامعة فيكتوريا الإسكندرانية، وأعقبَ تخرّجه بدراسة المسرح في لندن لمدة عام، واكتسب خبرات الإخراج السينمائي على أيدي كبار مخرجي مصر وبعض المخرجين العالميين. تكاملت مهارات شادي عبد السلام ليستطيع القيام بعدّة وظائف في صناعة الفيلم – ذلك كي يطمئنَّ إلى العمل – يعملُ شادي إضافةً للإخراج في تصميم الديكور والأزياء وكتابة القصة والسيناريو لأفلامه.

30-31مومياء شادي عبد السلام (2)انفردَ المخرج الشاب في نهاية الستينيات بأسلوبٍ خاص بعيداً عن اهتمامات السينما المصرية المستغرقة آنذاك في الأفلام الوجدانية أو الواقعية المرتكزة إلى أدب الرواية المصرية؛ رجعَ إلى الإرث القديم الذي شدَّه بقوة، وكذلك معالم التراث الفرعوني الراسية هي التي أبهرته، فرأى في الأهرامات والتماثيل أستوديوهات فنيّة بديعة، جاهزة.

لاقت سينماه قبولاً، فنالت جوائز عالميّة وعربية ومصرية عديدة، واختير هو ضمن لائحة أفضل 100 مخرج في تاريخ السينما من قبل رابطة النقّاد السينمائيين الدوليين في فيينا، وتمَّ على صعيدٍ ما الاحتفاءُ به في مصر – على الرغم من التحفظ النسبي على سينماه، وتوجّس الوسط الفني السينمائي في مصر من حداثة شادي برجوعه إلى الإرث القديم بأسلوبية مغايرة ومحدثة – ؛ فعلى سبيل المثال عيّنته وزارة الثقافة سنة 1970 مديراً للمركز المصري للأفلام التجريبية، وتمّ مؤخّراً إصدارُ كتابٍ في مجلّدين عن شادي عبد السلام، يضمُّ الكتاب سيناريوهات بعضٍ من أفلامه، مثل “أخناتون” وله عنوان آخر “مأساة البيت الكبير”، وأيضاً سيناريو “الفرعون”، وكان هذا الفيلم قد أُخرجَ مشاركةً مع المخرج “كافليروفيتش”، وضمَّ الكتاب سيناريو فيلميه “جيوش الشمس” و”الفلّاح الفصيح”. وأضيفت للكتاب عدّة مقالات مؤلّفة عن سينماه وأفلامه باللغتين الإنكليزية والفرنسية، وهناك في الكتاب قسمٌ جذّابٌ يخصُّ دقائق وتفصيلات من سيرة شادي مرفقة بالصور وأربع أسطوانات محتفظة بأربعةٍ من أفلامه، فضلاً عن 340 “اسكيتشاً” لتصميماته.

كلُّ أفلام شادي عبد السلام ترجع إلى التاريخ الفرعوني، حتّى أنه لم يستثنِ من ذلك عناوينها: (المومياء – جيوش الشمس – كرسي توت عنخ آمون – رعمسيس الثاني – الأهرامات وما قبلها – الفلاح البسيط)، إضافةً لآخر أفلامه (أخناتون) الذي لم ينجز منه سوى السيناريو؛ وقد استغرق من شادي عشر سنين، وأوصى كاتبُه أن يبقى السيناريو نصّاً للقراءة من بعده، فلا يُحوَّل إلى فلم.

(المومياء):

30-31مومياء شادي عبد السلام (8)أشهرُ أفلام شادي عبد السلام على الإطلاق. وكانت مساهمته في إنجاز الفيلم من خلال الإخراج وتصميم الملابس وكتابة القصة والسيناريو ومشاركة علاء الديب في الحوار.

اختارَ المخرج الشاب ممثلي فيلمه بعناية، فكانت الوجوه التي اكتفى في بعض اللقطات بظهورها صامتةً (أحمد مرعي – زوزو حمدي – نادية لطفي – محمّد خيري – محمّد نبيه…).

يُذاعُ في مقدّمة الفيلم فصلٌ من كتاب “الموتى” الفرعوني. اجتماعٌ للجنة من دائرة الآثار في القاهرة؛ فحواه تسرُّب برديّة فرعونيّة يستدلُّ بأنّها استخلصت من أحد مقابر الأسرة الفرعونية الحادية والعشرين التي كانت مبهمةً ولا دلائل ماديّة ملموسة عن مكان دفائنها ومقابرها ومومياواتها، وكان على اللجنة أن تقرّر الدخول إلى “طيبة” في غير الموعد المعتاد، للعثور على وسيلة تتكفّل بالوصول إلى مدافن الأسرة الحادية والعشرين في منطقة تظلّلُها قبيلة “الحربيّات” الجبلية حيثُ الاعتياش يكون عن طريق المتاجرة باللقى الأثرية، المشتراة بأثمانٍ بخسة عن طريق تاجرٍ موسمي معروف لديهم عبر عشرات السنين من التواصل.

في “طيبة”، الجبل، حيث تستقرُ قبيلة “الحربيات منذ القديم” تودّعُ القبيلةُ شيخَها المتوفّى، سربٌ من النائحات المتّشحات بالسواد يتوزّعن المقابرَ القديمة، الرجال عابسون، وعلى نحوٍ خاص يجتمعُ شقيقُ المتوفّى بولديه الوارثَين ليطلعهم على سرّ القبيلة الذي سيرثونه عن أبيهم، داخل مغارة لا يمكنُ الاهتداءُ إليها يسرّ إليهما بعدَ أن يكشف عن تابوت مومياء تعود للأسرة الحادية والعشرين (ينزعُ من المومياء قلادةً هي عينٌ واحدةٌ مذيّلة بشبكٍ معدنيٍّ طويل)؛ يُفاجَأُ الشابان من كون القبيلة برئاسة أبيهما كانت تتاجرُ بمحتويات المدافن ويبديان غضبهما على ذلك، ويقرّان باستيائهما وخيبة أملهما من هكذا تجارة لا تمتُّ للأخلاق بصلة، تتدخّلُ الأمّ لتهدّئهما وتقنعهما بواقع الحال، ولا تنكرُ ضلوعَ أبيهما وقيادته لهذه التجارة. يضطرُّ العمُّ فيما بعد إلى توكيل ثلاثة رجال من القبيلة بمهمة قتل الابن الأكبر حين لا تظهرُ عليه أي بوادر لليونة في متابعة المتاجرة بالآثار؛ إذ تتوقّف عليها حياةُ أبناء القبيلة.

30-31مومياء شادي عبد السلام (1)الابنُ الأصغر “ونيس” لا يطيقُ السرّ الذي بثّه إياه العم، فيعيشُ شبه هائمٍ بين الآثار والأوابد، تتملّكه نزوعُ التقرّب أكثر إلى هياكلَ وتماثيل قضى بينها طفولّته وشبابَه دون أن يشعرَ بما قد شعره.

لا يسكنُ هديرُ الرياح في السفح الموحش، رجالٌ بأرديةٍ سوداء ونسوةٌ يكرّرنَ زيارة المقابر ذات الشواهد الأحادية العالية.

ثمّة عناية فائقة بالتصوير والمؤثّرات الصوتيّة، فكأنّ المصوّر يستمتعُ وهو يتنقّلُ بالكاميرا ما بين الوجوه والبراري والأوابد الأثريّة، والمخرج لا يني يستبدُّ به الهوسُ الفرعوني ومعجزةُ الهرم: “جعلتَ الأحجارَ تبدو حيّةً أمامي” يقولُ ونيس للشاب الغريب القادم من الوادي حين حدّثه الشابُّ كلاماً جديداً عليه عن كنه الحجر الأثري. ذلك الشابُّ بعدئذٍ تعرّض لضربٍ مبرّحٍ من مجموعة ملثّمين طوّقوه في سبيله.

يصلُ الأفنديّة “مندوبو دائرة الآثار” على حين غرّة إلى الجبل متوقّعين وصول التاجر المعني بشراء آثار قبيلة الحربيّات، فيُستثارُ ونيس راغباً في لقائهم، بينما يكلّفه عمُّه بإيصال القلادة إلى التاجر “أيّوب” فيرفض ونيس، ثمّ يقبل على مضض، ولكنّه عند الالتقاء بالتاجر يدخلُ معه في خصومة ويرفض أن يبيعه ويطالبه بالرجوع من حيث أتى، فيأمر التاجرُ معاونيه أن يستخلصوا القطعة الأثرية منه قسراً، فيفعلون، ويتعرّضون لونيس بضربٍ يفقده وعيه مؤقتاً.

تظهر “نادية لطفي” كإحدى غانيتين يستعملهما التاجرُ الأصغر “مراد” الذي يؤدي دورَه “محمد نبيه”، يراها ونيس من بعيد مع مراد الذي يعرض عليه التجارة معه عوضاً عن أيوب، ويوحي إليه بإمكانية التواصل مع الفتاة، لكنّ ونيس يقف مذهولاً أو هو لم يخرج من ذهوله طوال أحداث الفيلم، ويرفض التعامل مع مراد. حين يصدفُ أن يلتقي الفتاة بين الآثار تتملّصُ الفتاةُ، فيلاحقها في الدهاليز والممرّات والمتاهات في لقطات متقنة دون أن ينالها، وربّما لم يكن في نيته أن ينالَها، لأنّ ملامحه كانت تفصحُ عن فضول، لا عن رغبة.

يلتقي ونيس برئيس بعثة دائرة الآثار، ويخبره على مكان وجود مدافن الأسرة الحادية والعشرين. اعتماداً على كتيبة حرس الجبل يقومون سرّاً باستخراج 40 تابوتاً لمومياوات، وينقلونها فجراً إلى السفينة الراسية في الماء، من ثمّ إلى القاهرة. يشعرُ أبناءُ القبيلة بنقل التوابيت التي يعدّونها ثروتَهم، وما بين تردُّدٍ في مداهمة قافلة الحرس وعدمها تنفّذُ القافلةُ مهمّتها. عندما يتحدّث ونيس عن كون الحجارة (الآثار) رفاق طفولته، فكأنَّ بشادي عبد السلام ينطقُ عن طفولته وشبابه وكهولته هو.

 

 

شاهد أيضاً

خلافات بين المهربين على سيارة أسلحة صادرتها ميليشيا الدفاع الوطني في السويداء

صادرت ميليشيا الدفاع الوطني في مدينة شهبا أول من أمس الأحد سيارة محملة بالأسلحة، ومتوجهة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *