الثلاثاء , سبتمبر 19 2017
الرئيسية / ضوضاء / اقتصاد / الجزيرة السورية .. صراع المشاريع وعبثية الحروب

الجزيرة السورية .. صراع المشاريع وعبثية الحروب

مضر سلطان حمكو

شاءت الحرب أن تكون هي الحرب، تجدد نفسها على الدوام فيتغير المكان، يتغير الزمان ،يتغير المسرح ،الممثلون (الأدوات)، المخرج (الراعي)، يتغير المتفرجون (الضحايا) ،تتغير المشاريع و الحرب هي الحرب : أحد أشكال صراع المشاريع أو عرضه الدامي فقط .

تحيل مقاربة الحدث الدامي في الحسكة مدينة وريف (والحسكة هنا الصورة المصغرة لأمها سوريا) على صراع ثلاثة مشاريع يتحدد أولها بمشروع تنظيم الدولة الاسلامية “داعش” الذي بدأ بالتخارج عن القاعدة الأم في عهد أبي مصعب الزرقاوي الذي كان على رأس تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، ثم توالت الاندفاعات نحو حكومة إسلامية عالمية مزعومة بالإعلان عن قيام الدولة الإسلامية في العراق والشام. مركزها محافظة الرقة السورية ودعوة المسلمين في العالم قاطبة على اختلاف توجهاتهم وتياراتهم وتنظيماتهم إلى مبايعة الدولة الناشئة تحت طائلة المقصلة الشرعية.

هذا الوهم/الواقع المسمى داعش يحمل إمكانية وهم أكبر هو نشر الدولة الاسلامية عبر العالم ما يعني بالضرورة أكلاف هائلة لا يعلم بها الا الله.

26-27الجزيرة السورية .. صراع المشاريع وعبثية الحروب (3)يستند المشروع على مصادرة تاريخية تتمثل في افتراض تعسفي يقوم على أن ثمة وسط سني في العالمين العربي والاسلامي يشكل حاضنة طبيعية للتنظيم أو دولة التنظيم الاسلامية، فينبغي والحال هذه التموضع داخل هذه الحاضنة وإعلان قيام الدولة ثم التمكين لها عبر التوسع والامتداد عموديا وأفقيا بالاستناد إلى متوالية العنف الداخلي والخارج.

يبدو من النافل القول أن التنظيم قد قطع منذ البداية مع الثورة السورية بحكم التناقض الجوهري مع شعاراتها و أهدافها و رهاناتها التي شكلت خروجا على نص مشروعه فلا يمكن له أن يقبل بثورة ذات وجه مدني يدعو للحرية و الانفتاح على مقولات التعدد و التنوع و الاختلاف في ظل قانون مدني وضعي و عملية ديمقراطية تنظم الصراعات الاجتماعية بآليات ديمقراطية.

فهو يدعو لاستعادة الزمن التأسيسي، زمن السلف الصالح عبر قذفنا في غياهب الماضي وفق رؤية تقوم على تكفير وتدمير أي توجه او رأي أو موقف مخالف.

إن طبيعة هذا المشروع الداعشي وانغلاقه على يقينيات منجزة ورؤية العالم منتهيا عند لحظة معينة ،لم تفقد المشروع قدرته على المرونة البراغماتية والقدرة على بناء تحالفات موضوعية ،حملت امكانية توظيفه السياسي والعسكري من قبل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية  وقد يشرح هذا البعد مواقف التنظيم العسكرية التكتيكية في بعض المناطق و اقدامه على قتال طرف واحجامه عن قتال طرف آخر ،ناهيك عن توظيف وجود التنظيم و سلوكياته في تبرير مواقف الأطراف المحلية (النظام تحديدا) تجاه المناطق الثائرة واستخدامه لأقصى درجات العنف وتقديم الصراع في سوريا للعالم على النحو التالي (ليس هناك ثورة شعب ضد نظام استبدادي فاشل بل هناك حرب يقودها نظام شرعي يقاتل جماعات ارهابية تكفيرية نيابة عن العالم المتحضر ودفاعا عن قيم الحداثة والحق والخير والجمال) .

ثمة فكرة مركزية حكمت التكتيكات العسكرية لتنظيم الدولة وهي أن لا حليف للتنظيم على الأرض السورية بما في ذلك الفصائل الاسلامية التي تحالفت معه في يوم ما وأنه ينبغي التخلص منها أول الأمر لكي تصبح المناطق الموجود فيها تحت سيطرته على نحو صرف.

بدأ التنظيم بعدة محاولات لتأمين الضلع الشمالي الشرقي لمركز الدولة في الرقة بعدما دانت له السيطرة فيها واخضاعه شبه التام لمحافظة دير الزور الضلع الشرق، ما استدعى أن تكون الحسكة ريفا ومدينة تحت سيطرته وقد تمكن بالفعل من السيطرة على الريف الجنوبي بعد هزيمة وانسحاب بقية الفصائل وكذلك هزيمة النظام في بعض المواقع الجنوبية في ريف الحسكة ثم أجزاء واسعة في الريف الشرقي والغربي، لكنه اضطر للتراجع تحت وقع ضربات التحالف الجوية الامر الذي دفع بوحدات الحماية الكردية للتقدم وملء الفراغ.

26-27الجزيرة السورية .. صراع المشاريع وعبثية الحروب (2)هذا الوضع دفع بالتنظيم على انتهاج تكتيك حرب العصابات وأسلوب الكر والفر، كان أبرز تجلياته محاولات التسلل العديدة إلى مدينة الحسكة وقد نجح بالفعل صبيحة يوم الخميس 25/6 في إحداث خرق كبير تمكن من خلاله دخول بعض الأحياء الجنوبية والشرقية والغربية فيما يمكن تسميته (الهلال العربي) للمدينة الذي تعرض لخراب كبير في بنيته العمرانية والتحتية وتهجير سكانه وكذلك سكان بقية الأحياء بما فيهم الأكراد والمسيحيين نحو مدن وأرياف الشمال.

بإزاء مشروع داعش تموضع مشروع كردي بدأ يتخارج عن فكرة أو حلم الدولة القومية للأكراد، ذلك الحلم التاريخي الذي راود النخب الكردية حيث وجد تعينه الأول في إقليم كردستان العراق في سياق صراع طويل مع أنظمة البعث هناك وبدأ يستقل شيئا فشيئا عن الحكومة المركزية بعد الاحتلال الامريكي للعراق وسقوط نظام صدام حسين.

التعين الأول للمشروع حفز الخيال السياسي الكردي وضاعف إمكانية التكرار في بقعة أخرى، هذه اليوتوبيا حملت امكانية التحقق إذا ما توافرت الشروط الذاتية والموضوعية، المحلية والاقليمية والدولية، التي هي عوامل دافعة ومحبطة في آن واحد.

هذه المشروطية الموضعية المتمثلة بالمناخ الاقليمي والدولي بدأت تفسح في المجال لاندفاعة ثانية لهذا المشروع بعد التعين الأول في كردستان العراق وهذه المرة في الشريط الذي يزعم أنه الشريط الكردي الممتد من عفرين حتى عين ديوار في المالكية الواقعة على الحدود التركية.

يقود هذه المحاولة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بزعامة صالح مسلم وهو يتحدر من السلالة الايدولوجية لحزب العمال الكردستانية بزعامة عبد الله اوجالان، فبعد انطلاقة الثورة السورية بدأ النظام بالبحث عن حلفاء لدحر الثورة عسكريا فكان عليه ايقاظ الخلايا النائمة لحزب الاتحاد الديمقراطي وبث الروح العسكرية فيها وذلك لضرب الوسط السياسي الكردي والشعبي المؤيد للثورة من جهة، وضرب أي تهديد محتمل لسيطرته على الجزيرة من قبل الخصوم الثوريين كما حدث بعد اقتحام الجيش الحر لمدينة رأس العين.

قبل ذلك وأثنائه قام النظام بالانسحاب من مدن ومناطق شمال الجزيرة وأقدم على الضخ العسكري وغير العسكري في الجسم الناشئ (PYD) وضرب أي كتلة مناوئة في الوسط العربي الذي اممه النظام عبر آليات القمع المختلفة (الأمنية والحزبية) ما قاد إلى عطالته المؤكدة وشبه الناجزة.

في المحصلة أخذ هذا الجسم يتضخم وبدأ يتطلع لصيغة جديدة في العلاقة مع النظام تتخطى التابعية إلى الندية لا سيما بعد انجازات عسكرية امتدت من ريف حلب حتى اليعربية في الجزيرة السورية وهنا بدأت المطامح السياسية تعبر عن ذاتها فلا بد من جني الأرباح بعد كل ما تحقق لكن دون كسر الإطار العام لعلاقة التحالف وإن بدى الخطاب الإعلامي للـ (PYD) مناوئا للنظام ويقدم مشروعه على انه المشروع المخلص.

US-led coalition forces hit ISIL targets in Kobaniفي هذه الاثناء كان المشروع الكردي للـ (PYD) يندفع نحو مزيد من البناء و المأسسة ،بعد ظهور داعش و تشكيل الامريكان لتحالف دولي من أجل محاربته لا سيما بعد وصولها لحدود كردستان العراق في اعقاب السيطرة على الموصل وبدأ التحالف عن قوى عسكرية صديقة لمحاربة داعش على الأرض و في سياق ما اعتبره البعض تغييرا في السياسة الامريكية في المنطقة و تعديل أو تغيير خرائط سايكس بيكو التاريخية كما ألمح إلى ذلك الأتراك و غيرهم ،استطاع حزب صالح مسلم و اجنحته العسكرية التوغل نحو المياه الدافئة للسياسة الامريكية و قد نجح مؤخرا في الحصول على لقب حليف و شريك وحيد للأمريكان في محاربة الإرهاب وفقا للتصريح الامريكي ،تجلى ذلك في عين العرب (كوباني) و كذلك في الريف الغربي و الغربي الجنوبي للحسكة حيث أمن التحالف غطاء كاسحا أدى إلى تقدم وحدات الحماية الكردية حتى جبل عبد العزيز جنوب غرب مدينة الحسكة، في هذا السياق مرت العلاقة بين النظام و(PYD) وهو نفس سياق المشروع الكردي وفق رؤية هذا الاخير بأطوار عديدة من التوازي إلى التقاطع إلى الانحلال في مشروع النظام ثم مؤخرا لاحت نذر الانفراط في هذه العلاقة بعدما تلقى الـ (PYD) جرعات كبيرة من الامريكان ،تمثل ذلك في عدة صدامات داخل مدينة الحسكة و رفض قتال داعش إلا ضمن شروط منها أن يقوم النظام بتسليم سلاحه الثقيل ووضع الطيران العسكري تحت امرته وأن يتم رفع علم وحدات الحماية الكردية في المناطق التي يتم طرد داعش منها .

تنطوي اللحظة الراهنة في المشروع الكردي الذي يقوده الـ (PYD) على مزيج من الخصائص متمثل في خفض مستوى الوهم الأممي الذي ميز الخطاب السياسي والاعلامي لحزب العمال الكردستاني وايديولوجيته و ارتفاع منسوب الطموح القومي المحمول على القوة العسكرية مستفيدا من متغيرات محلية واقليمية ودولية كما اسلفنا (دعم غربي وامريكي تحديدا) و بحكم طبيعة الحامل السياسي والعسكري لهذا المشروع و بنيته الشمولية فهو يرفع شعارات الديمقراطية و التعددية والمدنية و يمارس انتهاكات فاضحة لحقوق الانسان والجماعات قد تصل إلى حد التطهير العرقي في بعض مناطق الجزيرة ،يحمل المشروع امكانية توظيف سياسي وعسكري في صراعات اقليمية ودولية ومحلية وايضا قدرته على الاستفادة من هذه الصراعات ومتغيرات السياسة الدولية (الامريكية) على وجه الخصوص .

ثمة مشروع ثالث هو مشروع النظام المتمثل بالبقاء واعادة السيطرة على كافة المناطق السورية ومنها الجزيرة وهو الى ذلك كان يحاول بعد أن ضخ ماديا وعسكريا واعلاميا الجسم الكردي أن يحتوي هذا المشروع ويوظفه من اجل البقاء والاستمرار وضرب الخصوم، لكنه ربما أصبح الآن الطرف الأضعف والمشروع الأضعف على أرض الجزيرة إن لم تحدث معجزات.

بقي أن نقول أن حرب المشاريع هذه قد انطوت على عداء للمشروع الوطني في انتاج دولة حديثة تستطيع أن ترمم الجرح الوطني.

 

 

 

شاهد أيضاً

اكتشاف هوية الجثة قرب محطة الراعي في السويداء وهي لمخطوف لم تدفع فديتة.

كشف مصدر تابع للشرطة المدنية في مدينة السويداء، عن هوية جثة الرجل الملقاة قرب محطة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *