الأربعاء , سبتمبر 19 2018
الرئيسية / ضوضاء / ثقافة وفن / إيدا .. العودةُ إلى الجذور

إيدا .. العودةُ إلى الجذور

مقداد خليل

في الحفل السنوي السابع والثمانين على مسرح دولبي في هوليوود، انتزعَ فيلم (إيدا) جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي. الفيلم من إخراج البولوني الشاب بافل بافلوفسكي. وإضافة إلى الأوسكار تفرّدَ هذا الفيلم بجوائز مهرجان أكاديمية الفيلم الأوروبي، وذلك بعد تصويت ثلاثة آلاف عضوٍ من الأكاديميّة الأوروبية للأفلام، ومن أبرزها، جائزة أفضل فيلم، وأفضل مخرج، وجائزة الجمهور.

اعتمدَ بافلوفسكي على ممثّلين مغمورين لأداء أدوار البطولة، واختارَ بشيء من المغامرة تقنية اللونين الأبيض والأسود، محاكياً بذلك كلاسيكيات السينما البولونية.

IDAيعرضُ الفيلم أيّاماً من حياة فتاةٍ شارفت على بلوغ الثامنة عشرة، وهي تتهيّأ لدخول عالم الرهبنة بعد مراسيم خاصّة، هذه الفتاة اسمُها (آنّا) وتؤّدي دورها الممثّلة الشابّة (أجاتا كولاشا)، وخلال تلك الأيام القلائل تعودُ إلى تتبّع جذورها، وقد كانت خافيةً عنها تماماً.

داخلَ معبدٍ قديمٍ متزهّدٍ، متقشّفٍ للغاية، تحملُ آنّا بيدها فرشاةَ ألوانٍ، وتضعُ اللمسات الأخيرة على عنق تمثال السيّد المسيح، الذي يناهزها ورفيقاتها في الدير حجماً، كلّاً على حده. إحدى الفتيات ترمّمُ سفليَّ حائطٍ هناك من الداخل. يُحمَلُ التمثالُ، مثلما تُحمَلُ جثّةٌ، فوق أكتاف الرّاهبات الشابّات الأربع، ويُنَصَّبُ في مركز دائرةٍ ضيّقة في فناء الدير، فيما الثلج يتساقط بنعومة خلال الفجر.

على مائدتي الإفطار المتوزعتين ما بين فتيات الرهبنة الصغيرات (مجموعة آنّا)، ومجموعة الراهبات القديمات يكونُ الصمت البشري مطبقاً، فيسمَعُ صليلُ ملامسة الملاعق لزجاج الصحون، وتتبادلُ آنّا النظرات مع إحدى كبيرات الراهبات، التي تخبرها فيما بعد باكتشافِ قريبةٍ لآنّا؛ خالة تحيا في بودابست، وبأنّ عليها أن تزورَها قبل أن تتمَ إقامةُ مراسيم تنصيبها راهبةً.

تحزمُ حقيبتها في هدوء بمساعدة رفيقاتها، دون أن تتفوّه بكلمةٍ واحدة.

تصلُ “آنّا” إلى بيتَ خالتها، فتستقبلها الخالةُ بفتورٍ ظاهر، وسيجارةٌ بين أصابعها، لا تظهرُ لها الخالةُ أيَّ دفءٍ عاطفي، وسرعان ما يظهرُ أحدُ الرجال مشرعاً بالخروج من البيت، ومظهره يوحي بأنّه قضى الليلةَ في سرير الخالة (فاندا). تخبرها فاندا أشياء لم تكن في حسبانها ذات يوم؛ تخبرُها بأنّ اسمها الحقيقي هو “إيدا” وبأنّها من أصلٍ يهودي الديانة، وبأنّ والداها قضيا قتلاً خلال مجازر الهولوكوست النازيّة بحق اليهود إبّان الحرب العالمية الثانية. “إيدا” لا تبدي ردودَ أفعالٍ متناسبة مع حجم ما تخبره به خالتُها فاندا من معلوماتٍ صادمة، وكذلك الأمرُ بالنسبة لفاندا إذ أعلمت الصغيرةَ ابنةَ أختها بما لم تتفوّه به خلالَ حوالي العقدين من الزمن عن أهوالٍ لحقت بأهلها. لا تبدو ميولُ وأمزجةُ “إيدا” وخالتها متقاربةً، بيدَ أنَّ التعاطفَ ينمو مع الدقائق بينهما، دونَ أن تفصحَ أيّة واحدةٍ منهما عن ذلك، حتّى أن “إيدا” كادت ترجعُ إلى الدير لولا أنّ الخالةَ لحقت بها، وأعادتها، موكلةً إلى نفسيهما مهمّةَ البحث عن مدفن وبقايا جثمان والدَي “إيدا”، بالإضافة إلى العظام الرخوة لطفل فاندا الذي قُتلَ معهما ودفنَ إليهما. يكونُ من شأن هذه المهمّة المشترَكة أن توطّدَ وإن بغير إعلانٍ التعاطفَ بينهما، فاندا تجدُ في “إيدا” أختها التي وارتها إحدى المجازر منذ خمس عشر سنة تحت ترابٍ مجهول.

لعلّ من المظاهر التي أولاها بافلوفسكي أهميةً كبيرةً في فيلمه المظاهرُ الشيوعية السائدة، فمجرياتُ الفيلم تزامنُ بداية الستينيات من القرن العشرين؛ أي بعد مضي عقدٍ ونصف على الحرب العالمية الثانية، وبعد امتداد المعسكر الاشتراكي وشموله دولَ أوروبا الشرقية. الطابع المؤسساتي الذي ينخره الفساد. تعملُ فاندا في القضاء، وبجانب ذلك تراها تشكو من الوحدة المترافقة بكأبةٍ ما، فتعبثُ بحياتها على نحو أنها تقضي كثيرَ الليالي كفتاة ليل لا تفرّقُ بين من يشاطرها السريرَ في بيتها، وهذا قد يفسّر بأكثر من تفسيرٍ واحد؛ فقد يُظَنُّ بأن ذلك إنما هو من نتائج المدّ الشيوعي على صعيد الأفراد الذين لم يستطيعوا التلاؤمَ مع هذا النظام الذي يرقّمُ أفرادَه، وعلى نحوٍ آخر لربّما يكون ذلك من تبعات الماضي وحمولته من الذكريات المريرة التي لا تتركُ لصاحبها فرصة الإفلات بالنسيان، فلا منجى من غزوات سنوات العصف المنصرمة.

ثمّةَ طرفٌ آخر ممَثَّلٌ بإيدا، وهو بمعزلٍ تماماً عن عالم بولونيا الشيوعي. لم تسعَ “إيدا” خارجَ ديرها، بعضُ أحلامها قد يجنح بها خارجَ أسوار الكاثوليكية (مثلما صرّحت لفاندا جواباً على سؤالها). التقاءٌ يكادُ يكونُ بين متناقضَين؛ بين الخوف والجرأة، بين الانكفاء والسفور، بين التديّن والإلحاد. لكنَّ هذا كلّه لا يمكن له أن يلغي الارتباط عبر الجذور التي تبدأ باستدعاء الحنين في دواخل المرأتين إلى القديم الأبعد. أثناء التحرّي من مالكي بيت أسرة “إيدا” الجدد (المتّهمين بقتلهم) عن مدفن الضحايا، تدبُّ حيويّةٌ خاصّة في قلبي المرأتين، تتقاربان بشدّة، حتّى لتشعر كلتاهما بالتشارك في المصير وقد بعثته الجذور. داخل غابةٍ نائية يدلّهما القاتلُ على مكمن عظام موتاهما، فتعودان بكنوزهما المفتتة.

2014115113334717347يريدُ بافلوفسكي وهو ينجز هذا الفيلم أن يقولَ للمشاهد الذي سيتابعه فيما بعد بأنّ ما يشاهد إنما هي السينما، لا يريد له أن يلتبس عليه ما يراه بالواقع. يقدّمُ بافلوفسكي فنّاً سينمائيّاً ذا خصائص، فالكاميرا فيه تعملُ بعناية آلة تصوير فوتوغرافي نظراً لسكونيّتها. كذلك هو يعتمدُ كموسيقا لفيلمه على التسجيلات الكلاسيكيّة التي تستمعُ فاندا إليها داخلَ بيتها، أو المعزوفات التي يعزفها الشابُّ في الفرقة الموسيقيّة الجوّالة على آلة الساكسفون؛ هذا الشاب الذي ستتكون بينه وبين “إيدا” علاقة حب قصيرة.

تعودُ “إيدا” إلى الدير مثقلةً بالكشوفات الهائلة خلال زيارة الخالة فاندا. تتمُّ مراسيمُ الرهبنة لها ولرفيقاتها على الرغم من عدم ثباتها الظاهر، وبالرغم من أطياف الحياة الماديّة التي لاحقتها أثناء أداء طقوس تنصيبها للرهبنة. في الأثناء، وبنحوٍ غير متوقّع تنتحرُ الخالة فاندا راميةً بنفسها من نافذتها التي تُرى منها ذرواتُ شجر السرو، تقذفُ بساقٍ قبلَ الأخرى مثلما يفعلُ عدّاءُ القفز على الحواجز عندما يقفزُ نحو مسقطٍ لا عمقَ له. نتذكّر هنا (المستأجر) لبولانسكي؛ عندما يحاولُ المستأجرُ بطلُ الفيلم، ويؤدّي بولانسكي نفسه دورّه؛ يحاولُ أن ينتحر بطريقة القفز من نافذة غرفته العالية سقوطاً على مظلّة زجاجيّةٍ واسعة تتهشّم بالأسفل دونَ أن يوديَ ذلك إلى موته، فيقوم بتكرار القفز بعد الصعود إلى الغرفة لثلاث مرّات، تحت أنظار جيرانه المتجمهرين في الشارع، صامتين تماماً، حتّى يتمكّن من بلوغ الموت.

تحضرُ “إيدا” مراسيم دفن خالتها، وتلتقي بالشابّ عازف الساكسفون. تقضي يومها داخل بيت فاندا الميّتة، فتستبدُّ بها رغباتٌ مرعبة؛ تقلّدُ من خلالها سلوك فاندا في اجتراع المشروب المسكر، بعد أن ترتدي أحد أثوابها الخليعة نوعاً ما وتحتذي حذاءً ذا كعبٍ عالٍ. تلتقي هناك في سرير خالتها بجسد عازف الساكسفون التقاءً حميميّاً أوّل، ويتبعُ ممارسةَ الحبّ حوارٌ تنظرَ أثناءه إيدا نحو سقف الغرفة، وهي ممددة عارية بجانب حبيبها. تسألُ عمّا سيؤول إليه حالهما، فيردُّ الشابُّ بأنّهما سيتزوّجان ويجوبان معاً المدن صحبةَ الفرقة الموسيقيّة، فتسألُ “إيدا” عمّا سيحدثُ بعدئذٍ، ويردُّ الشابُّ بأنّهما سيخلّفان أبناءً، ويستمرّان معاً على الدوام.

في الصباح دون أن يشعرَ عازفُ الساكسفون، ترجعُ “إيدا” إلى ديرها منخرطةً في الحياة هناك مجدّداً. ماذا صنعت “إيدا” وخالتُها في رحلة عودتهما إلى النبش عن الجذور والوصول إليها؟ الخالةُ فاندا انتحرت، والراهبةُ الحديثةُ “إيدا” رجعت إلى ديرها، وفي غالب الظن أنها تنوي على النسيان، والرجوع إلى اللامعرفة بالماضي.

شاهد أيضاً

تاريخ سوريا في أيدي اللصوص

محمود أحمد   ليس سراً أن نظام بشار الأسد لم يكتف بسرقة حاضر سورية وتدمير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *