الثلاثاء , يونيو 2 2020
الرئيسية / ضوضاء / تحقيقيات / جبهات درعـا وإدلب وريف دمشق .. بين “التشظّي” و”التكامل”

جبهات درعـا وإدلب وريف دمشق .. بين “التشظّي” و”التكامل”

 

بعد مرور ما يربو على الأربعة أعوام على انطلاقة الاحتجاجات الشعبية في سوريا، وأكثر من ثلاثة أعوام ونيّف على تحوّلها إلى مواجهات عسكرية مفتوحة تهدف إلى إسقاط النظام عسكريًّا، بدأت تتّضح خريطة التشكيلات العسكرية للمعارضة السوريّة. وباستثناء تنظيمَيْ: “الدولة الإسلامية” الذي بات يسيطر اليوم على أكثر من نصف مساحة سوريا على خلفية تمدده الأخير في البادية السورية الواسعة وسيطرته على مدينة تدمر الأثرية، وكذلك “جبهة النصرة”، فإن الكثير من التشكيلات العسكرية بقيت تعيش في حالة تفتقر في معظمها إلى بنية متماسكة أو سلطة مركزية قادرة على توحيدها، الأمر الذي جعل من الساحة العسكرية في البلاد مجالاً خصباً لتزايد عدد الفصائل المسلحة حتى أصبحت تعدّ بالمئات بين كتائب وألوية وجيوش.. وإذا كانت المراحل الأولى من المواجهات العسكرية في البلاد قد قسّمت الأجنحة العسكرية على أسس أيديولوجية بين “علماني” (وهو ما وسِمَ به “الجيش الحر” على الدوام وأحياناً “المعارضة المعتدلة”) من جهة، و “إسلامي” ضمَّ طيفاً واسعاً من التشكيلات العسكرية التي اتخذت من الإسلام مرجعية لها بآليات وأشكال متفاوتة.

Arabstoday-كتائب-الجيش-الحريضيف البعض إلى الفئتين السابقتين، فئة “المقاتلين الأجانب”، التي تنتسب في معظمها -كما بيّنت دراسات وتقارير استخباراتية- إلى التنظيمات الإسلامية تحت مسمى “الجهاد العالمي” الذي وجد منظِّروه في سوريا ساحة خصبة لاجتذاب مقاتلين من الخارج. كل ذلك جعل من الصعب عادة حصر فصائل المعارضة المسلحة، المتكاثرة باضطراد في غياب انضباط وتمركز مديدين نسبياً، فتجاوزت 600 فصيلاً، وفقاً لبعض التقديرات، من هنا كان التركيز على أكثرها أهمية وفاعلية. خاصة تلك التي باتت تسيطر على مناطق واسعة وتصطدم مع النظام في معارك فاصلة إضافة إلى صراعاتها البـيْـنـيّة.

غدت الأمور تدريجياً تنحو لصالح بقاء الفصائل، ذات التوجه الإسلامي، التي بات يغلب عليها الطابع السلفي المصطبغ في الغالب الأعم بالصبغة الريفيّة بالنظر إلى بدء عسكرة الصراع في المقام الأول من الريف باتجاه المدينة وليس العكس. وبالطبع، فإن خارطة المواجهات العسكرية تكاد أن تغطي أكثر من ثلثي البلاد حتى قبل التمدد الذي أحرزه تنظيم “الدولة الإسلامية” في الآونة الأخيرة، إلا أن أكثر المعارك إثارة للجدل كانت تلك التي تدور بين النظام وفصائل عديدة مسلحة، بعضها شكّـل تحالفات على الأرض، في كل من ريف دمشق على أكثر من جبهة و الجبهة الجنوبية بين دمشق ودرعا.  فخلال عامي 2013- 2014، طرأت تطوراتٌ دراماتيكية على توزع الجبهات والقوى العسكرية في محيط العاصمة، والتي تناوبت في السيطرة عليها قوى المعارضة بتشكيلاتها المختلفة، من جهة، وقوات النظام المدعمة بميلشيات حلفائه كحزب الله اللبناني، ولواء أبي الفضل العباس العراقي، وغيرها، من جهة أخرى. وباتت لوحة الخريطة العسكرية متناوبة ومتشابكة.

استراتيجيا النظام.. استثمار المتناقضات

يسعى النظام السوري إلى استثمار المتناقضات على الصعيدين الدولي/الإقليمي من خلال برنامج “الحرب على الإرهاب” الذي اعتمدته الولايات المتحدة عقب أحداث الموصل في حزيران العام الفائت من جهة، والمحلي عبر الاستفادة من التناحرات والمواجهات التي تجري عادة بين فصائل مسلحة (بما فيها تلك التي يدخل فيها تنظيم “داعش” كطرف في مواجهات فرعية مع فصائل مسلحة أخرى) من جهة أخرى. فالضربات القوية التي تتعرض لها التنظيمات المسلحة، سواء من جانب التحالف الدولي التي استهدفت في المقام الأول تنظيم “الدولة الإسلامية” (أخيراً، استهدف جبهة النصرة التي فقدت خمسة عشر من مقاتليها في قصف أمريكي)، إلى جانب تصاعد حدة الصراع المسلح بين بعض تلك التنظيمات المسلحة، كل ذلك أوجد للنظام مناخاً ملائماً في أكثر من جبهة للاستفادة مما يمكن أن تفرز من نتائج قد تصب في مصلحته عسكريـّاً وسياسيـّاً على حد سواء. وإن أردنا أن نستشهد بالأمثلة على ذلك، لا سيما بعد أن تصاعد التيار السلفي المتشدد بالمقارنة مع المعارضة “المعتدلة”، التي بدأ صوتها يَخْفو باضطرادٍ مستمر. ولعل ما حدث بين حركة “حزم” المحسوبة على الجناح “المعتدل”، و”جبهة النصرة”، والذي دفع الأولى إلى حل نفسها، والاندماج داخل ما عُرف بـ “الجبهة الشامية”، أبلغ مثالٍ على ما يتم الحديث عنه في هذا المقام.

الجبهة الجنوبية.. إعادة تشكيل للخارطة العسكرية

hqdefaultيتواجد في درعـا عدة فصائل شاركت -وما تزال- في المعارك، وأهمها: 1- “جبهة النصرة”، وتتواجد في غالبية المناطق والجبهات، علماً أن تواجدها جاء في مرحلة متأخرة نسبياً عن تشكل فصائل الجيش الحر (أمير “النصرة” في درعا هو إياد الطوسي الملقب بأبو جُليبيب، وهو أردني من أصل فلسطيني وصهر أبو مصعب الزرقاوي). 2- الجبهة الإسلامية (حركة أحرار الشام الإسلامية). 3- حركة المثنى الإسلامية. 4- كـتائب بيت المقدس الإسلامية أميرها عبدالله الأنصاري. 5- ألوية العمري وهي جزء من “جبهة ثوار سوريا”. وقد اغتيل قائدها قيس القطاعنة (وهي العملية التي كادت أن تفجِّر الأوضاع في المنطقة قبل احتواءها). والجدير ذكره، هو عدم تواجد تنظيم “الدولة” في الجنوب، أو على الأقل ليس موجوداً كتشكيل واضح يمتلك هيكلية وحيثية عسكرية.

تتميز الجبهة الجنوبية عموماً، ودرعـا على وجه الخصوص، بـنُـدْرة الصراعات بين الكتائب الكثيرة المتواجدة على أرضها، وهي ميزات افتقرت لها أغلب الجبهات السورية ولا سيما في الشمال والشرق، ورغم كثرة مناطق الاحتكاك والتّماس بين تلك الكتائب وتداخل مناطق النفوذ فيما بينها، إلا أنها تجنّبت إلى حدٍّ بعيد أي اصطدام أو مواجهة مسلحة. لكن ذلك لم يكن على الوتيرة نفسها عقب حصول مناوشات كادت أن تطلق مواجهات مفتوحة لو لم يتم احتواءها. فالمنطقة الجنوبية تجاوزت في السابق مأزقين خطيرين كادا أن يؤدّيا إلى صراعات خطيرة فيما لو استمرّا في التطور، الأول عندما اعتقلت “جبهة النصرة” أحمد فهد النعمة، رئيس المجلس العسكري التابع لمحافظة درعا، بعد سقوط بلدة “خربة غزالة” بيد قوات النظام والميليشيات التابعة له، وذلك بعد أن اتهمته “النصرة” بالمسؤولية عن هذا العمل، وقد أعقب هذه الحادثة اغتيال أمير جبهة النصرة شرق درعا، علي النعيمي، حيث اتهمت “النصرة” كتائب “الجيش الحر” بالوقوف وراء هذا العمل. والمأزق الثاني، تمثل في اغتيال القطاعنة، قائد ألوية العمري التي أشرنا إليها آنفاً.  من جهة أخرى، نشبت بين الفصائل الموجودة في درعـا وبين تنظيم “الدولة الإسلامية” صراعات محدودة، عندما حاول “التنظيم” التغلغل في جنوب سوريا. إذ حاولت “داعش” أكثر من مرة دخول درعـا غير أن كتائب الجيش الحر والكتائب الإسلامية تصدّت له وكبدته خسائر كبيرة في الأرواح.

إنّ الوضع على الجبهة الجنوبية، شهد إعادة ترتيب للخريطة العسكرية، وذلك بعد المواجهات التي اندلعت بين “جبهة النصرة” و”الجيش الحر”، بالإضافة إلى ظهور تشكيلات عسكرية جديدة، الأمر الذي فرض حالة من تجميد القتال. وتشهد جبهة الجنوب، وتحديداً في درعا، هدوءاً نسبياً فرضته وقائع عديدة، بداية من الاقتتال بين “النصرة” و “لواء شهداء اليرموك” وصولاً إلى تشكيل “الجيش الأول” بعد اندماج مجموعة من الفصائل المسلحة (“فرقة الحمزة”، “فوج المدفعية الأول”، و”جبهة ثوار سوريا”). وجاء الإعلان عن تشكيل “الجيش الأول” بعد أسبوع على تشكيل “الجبهة الشامية” في حلب، وتشكيل “الجيش السوري الموحد” في مدينة نوى في ريف درعا الغربي، و”صقور الجنوب” في الريف الشرقي لدرعـا، فضلا عن تشكيلات ميدانية في مناطق نفوذ الجيش الحر.

وتشير مصادر متعددة لـ”ضوضاء” إلى أن “ما جرى في الجبهة الجنوبية لم يخرج عن كونه إعادة ترتيب وتجميع لقوى المجموعات المسلحة، وذاك أمرٌ فرضه خطر إمكانية انتشار تنظيم “داعش”، وهو ما يراه الجيش الحر وكذلك الجانب الأردني بمثابة “خط أحمر”، لا يمكن القبول به مهما كان، وعليه أصبح لا بد من تحجيم وتصفية أي مجموعة يُشَك بتحالفها مع التنظيم المتطرف (داعش)، وهو ما حصل في المعركة الأخيرة ضد “لواء شهداء اليرموك” الذي خرج قائده من محكمة دار العدل بعد عدم ثبوت إدانته بالتعاون مع “داعش”، كما أدت مخططات “داعش” في التمدد هناك إلى تجميع القوى في مجموعات واحدة بتنظيم أكثر خاصة في الريف الشرقي لحوران، حيث يمتد خط إمداد إلى البادية ومنه باتجاه القلمون الشرقي.

شاهد أيضاً

تاريخ سوريا في أيدي اللصوص

محمود أحمد   ليس سراً أن نظام بشار الأسد لم يكتف بسرقة حاضر سورية وتدمير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *