الثلاثاء , سبتمبر 19 2017
الرئيسية / ضوضاء / أدب / تحوُّلات

تحوُّلات

 

        شيء ما لم يكن مفهوماً في ذلك الصباح الباهت ، لم تكن ثمة عصافير … أو رنين … أو نسمات  ، ولا حتى ثرثرة ، تلك الثرثرة التي تبدأ بها صباحها ، قبل أن تلقي بفتنتها على الكرسي خلف مكتبها الكبير ، ولا أسئلتها الحميمة توزعها على نسرين وأحمد وولاء :

_ كيف حال أمك نسرين ، تحسّنت انشا الله ؟ تسحب كرسياً ، تجلس قربها ، تهمس (إذا محتاجي مصاري لا تهتمي …. خبّريني )

تنهض ، تسبقها الزنابق إلى طاولة أحمد :

– ها…كيفو زلمة المكتب اليوم ؟

تجلس على زاوية الطاولة ، تعبث يدها بأوراق مرميّة فوقها ، تسأل عن أشياء كثيرة، تترك الموظف الشاب نهب قدِّها الأربعيني الآسر ، وحنانها الدافق .

فوق طاولتها ترتِّب الأشياء النائمة بانتظارها ، وقبل أن تبدأ بتفقِّد بريدها  تلتفت نحو ولاء :

– شو يا ليلى .. بدّو يشرّفنا قيس اليوم ؟؟ يقهقه الجميع فتصطبغ ليلى بالورود وتعبق بالحب .

من الشبَّاك الشرقي العريض تتسرّب الخطوط الذهبية لسيِّدة الأرض ، تفترش الحائط المقابل وتنعكس في سماء الغرفة فتختلط بعطرها ورنين صوتها وهو يتسرَّب في القلوب التي تعزف سيمفونية الحياة في المكتب الإداري لشركة البناء .

يبتلع المراجعون الوقت فارضين إيقاعاً مربكاً لساعات النهار الطويلة ، وحدها مدام هدى تعرف كيف تمتصّ أنّاتهم ،وتلمُّ شكاويهم من الأختام والتواقيع بهدوئها واِبتسامتها العذبة ، تمضي يومها في إتمام المعاملات واستكمال الأوراق ، تطير من مكتب إلى آخر مثل فراشة ، تشرح  لموظّفيها ما خفي عنهم ، تمازحهم ، تشرف على أعمالهم ، وحين ينتصف النهار ، تسرق حفنة من الوقت ،تكفيها لتحضير قهوة زائرها اليومي  الذي  لم يحضر منذ يومين أو أكثر .

 

 

2006

في الخاصرة

عند قدميه الصغيرتين تكوَّرت .. وتساقط دفء عينيها :

– يقصف عمري .. تنكسر إيدي ان شالله

لكن سعيداً كان ينام ملء جفنيه عصفورا ً أنهكه الطيران ، يطبق وروده السبع على حلمه المؤجل ، وخيوط شفيفة حمراء تراصفت على خده الطريّ يمرّ بينها خيط رفيع من ملح دموعه ، وآثاره عالقة على الوجنة الصغيرة .

عويل الريح في الخارج كان ينذر بالبرد ، دثّرته جيداً ، وخرجت….

– شو بدي إعمل بهالليل ؟؟؟؟؟؟

كان قلبها يحترق ….

لم  تحتمل أصابعه وهو يلكز خاصرتها ذلك المساء ، صبيّة التمّت مع  جاراتها حول الطاولة ، تدور القهوة بينهن ، يبصّرن .. يثرثرن … ينثرن همومهنّ ، وكنّ قد أوقفن دور الورق قليلاً ، وهنّ يستمعن للدَّاية تقص عليهنّ ما حدث في ولادة  زوجة الأستاذ :

– دخل علينا ونحنا مجتمعين عندها بالغرفة ، وصاح ، سعاد .. بدّك تفضحينا بالحارة ؟؟ الّلي راح مقطوع منّو النصيب  .. كبّري عقلك .

– ماما .. ماما …

أصابعه الطرية تنبش الخاصرة….

_ يقصف عمرو ما أقسى قلبو … فوق همها ؟؟

– مامااااااااااااااااااا .. ماما بدّي هريـــــ

ابتلعت الهمهمات  صوته الرفيع  ، تنهّدن .. زفرن … علت أصواتهن :

– شو معثّرة الحرمه……

_ ………………..

  • يقطع الحَبَل والأولاد

– ماما… يا ماما … ماما .. بدّي …

في خاصرتها وخز ممضّ ، الآن استشعرته تماماً ، ثمة دمعة عبرت صفحة خدها ، التفتت فجأةً نحوه :

– وسمّ ان شا الله .. انقبر إنت والهريسي .

حين هوت صفعتها على خدِّه صرخت بها الداية :

– يكسر إيدك يا سعدة……

لم تحتمل انتظار الصبح ، وضعته في حضنها … أيقظته :

– قوم يا روحي  قوم ….. جبتلّك هريسي …

 

7/3/2008

مهند الخالد
نصان قصصيان من مجموعته القصصية ساعات الليل

شاهد أيضاً

اكتشاف هوية الجثة قرب محطة الراعي في السويداء وهي لمخطوف لم تدفع فديتة.

كشف مصدر تابع للشرطة المدنية في مدينة السويداء، عن هوية جثة الرجل الملقاة قرب محطة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *