الثلاثاء , سبتمبر 19 2017
الرئيسية / ضوضاء / ترجمات / تخليد ضحايا الشعب السوري من خلال التصوير الفوتوغرافي

تخليد ضحايا الشعب السوري من خلال التصوير الفوتوغرافي

 

تقرير من إعداد ميشيل بويش

ترجمة زويا منصور

 

 

بلفتة استثنائية، غير مسبوقة، وبمناسبة النسخة الواحد والعشرون من جائزة بايو كالفادوس (Prix Bayeux-Calvados)، المخصصة للمراسلين الذين يعملون في مناطق النزاعات، قام المصور الفوتوغرافي ومراسل الحرب، لوران فان ديرستوك، العام الفائت، بإدخال 200000 ضحية سورية إلى قلب كاثدرائية مدينة بايو الواقعة في في منطقة النورماندي، شمال غرب فرنسا.

ترجمة ناناوهذه أول مرة يتم فيها تنظيم فعاليات جائزة بايو كالفادوس من أجل مراسلي الحرب، في الكاثدرائية نفسها، في فنائها الواسع الذي شكل في العام 2009 موضوع إحدى لوحات الفنان باتريك شوفيل الحائز على جائزة بايو كالفادوس عن معرضه “الحرب هنا”. إن ما يميز مدينة بايو، الاهتمام الذي يبديه سكانها اتجاه الحركة الفنية في المدينة والاهتمام أكثر بالموضوعات المطروحة في كل عام حول الحرب ومناطق النزاعات التي يذهب ضحيتها الإنسان قبل أي شيء آخر. وهذه السنة وبصورة استثنائية وغير مسبوقة، يلتقي مصوري الحرب في مكان للعبادة، إنه حقاً شيء استثنائي.

ولوران فان ديرستوك كان قد حاز السنة الفائتة مع زميله من صحيفة اللوموند الفرنسية، جان فيليب ريمي، على جائزة بايو كالفادوس عن التقرير الذي قدمه عن الوضع في سوريا. وفي إطار تنظيم فعاليات جائزة مراسلي الحرب للعام 2014، طلب محافظ مدينة بايو، باتريك جومونت، من لوران فان ديرستوك تحديد المكان الذي سيقيم فيه معرض الصور التي التقطها في سوريا خلال الحرب.

وفي مقابلة معه، قال لوران “زرت المدينة من حوالي الستة شهور للاستطلاع وتحديد المكان الذي سأقوم بعرض صوري فيه. كنت أبحث عن فضاء واسع بما فيه الكفاية يمكنني من ابتكار شيء جديد… لكن لم أكن أعرف بعد ماذا يمكن أن يكون هذا الفضاء. طفنا المدينة غرباً وشرقاً.. لم نجد أي مكان يوحي لي بشيء. وفي كل مرة كان الاحباط وفقدان الأمل ينال منا. وأخيراً، وجدنا أنفسنا نتناول الفطور في الجهة المقابلة للكاثدرائية، وعندما خرجنا، رأيت البناء وفجأة قلت وبصوت عال، نحن نبحث عن مكان كبير وواسع ومتميز… لدينا الكاثدرائية !”.

وأثناء الحديث، كان لوران فان ديرستوك يقوم بلف سيجارته ويشرب فنجان من القهوة وكنا حينها جالسين في شرفة المطعم الذي يتحدث عنه والطقس جميلاً ومشمساً. وتابع قائلاً “كانت بالنسبة لي طرفة وأطلقتها حول مكان العرض، لكن محافظ مدينة بايو والقائمين على تنظيم فعاليات الجائزة، وجدوا الفكرة عبقرية! وهكذا وجدت الفكرة طريقها وبدأنا تحضيرا العرض…”.

لم يتبق سوى البدء بتنفيذ العمل ووضع الصور في أماكن عرضها، وهنا لم يهتم لوران فان ديرستوك بآليات نشر الصور فقط، وإنما أيضاً وبشكل خاص بسينوغرافيا المعرض نفسه. نقل الحرب إلى الكنسية، يعد في الواقع أمراً شائعاً في منطقة الشرق الأوسط، ويقول فان ديرستوك إن المدنيين والمقاتلين السوريين يجدون أنفسهم كل يوم في مواجهة مع القصف والتفجيرات والموت والجانب المظلم من الثورة. كما أن إقامة معرض، في منطقة النورماندي وفي مكان للعبادة، لصور تم التقاطها خلال حرب تدوم وتفرض على العالم ضوضاء رهيبة منذ سنوات، يشكل بحد ذاته أمراً آخر.

ويشرح فان ديرستوك “لم يكن في نيتي توجيه لكمة إلى وجوه الزائرين في الكاثدرائية، لذلك لم أقم بعرض صور المعارك أو صور لإصابات مروعة ولا لمسامير في الأيدي، حرصت في المعرض على الجانب الإنساني، وصور الأماكن هناك تتجاوز مخيلتي. لدي في إحدى الصور، تمثال بيد مقطوعة”.

ويتابع “لوحة العرض على شكل فراشة، يصل ارتفاعها إلى 10 أمتار، وقائمة على سطح مثلث الشكل ومنحني يعلو عن الأرض 30 متراً. أكثر من 200000

ترجمة نانا2 شخص قتلوا منذ بداية الثورة في سوريا. وما أريده هو إيصال رسالة للعالم أجمع، بأن هؤلاء القتلى هم بشر مثلنا. الهدف من بناء الكاثدرائيات والكنائس هو منح الناس مكاناً للعبادة والتأمل، وأنا لم أقم باختيار صور تحتوي على مشاهد مروعة وقاسية وذلك حتى لا أؤذي مشاعر الآخرين، لكن الصور التقطت جميعها خلال الحرب”.

يشتمل معرض لوران فان ديرستوك، في الحقيقة، على صور لأناس عاديين، ومشاهد من الحياة اليومية التي يعيشها السوريون. وفكرة المعرض قائمة على وضع صور هؤلاء السوريين في قلب التصميم المعماري للكاثدرائية وفي محاريب القديسين بين النوافذ الملونة وكأنهم يتحاورون مع اللوحات التي تزين مختلف المصليات والجدران، وليشكلوا جزءً لا يتجزء من هذا التصميم المعماري. هذا العمل يهدف إلى لفت انتباه العالم إلى معاناة الشعب السوري ويهدف كذلك إلى محاكاة أبناء الرعية وزوار الكنيسة، مثل ذلك السائح الإنكليزي الذي يمر في زيارة عابرة للكاثدرائية في طريق عودته من أحد شواطئ المنطقة.

ويقول فان ديرستوك والابتسامة ترتسم على وجهه، مبتهجاً ومشرقاً تحت أشعة شمس الخريف “كنت قد وضعت تصميماً آخر لطريقة عرض الصور، وبالتأكيد كان هناك فكرة طباعة الصور على الأقمشة، وقمت بعدة اختبارات، لكن هذا أعطاني انطباعاً غريباً وكأن الصور وضعت في معرض تجاري!. ثم قمت باستعراض جميع العقبات التي قد تواجهني في تثبيت الصور، إنه معلمٌ تاريخيّ: لا يمكن استخدام المسامير ولا الغراء للتثبيت، حقاً إن الأمر معقد جداً. لكن هذه العقبات هي التي ألهمتني فكرة العرض، البسيطة والخفيفة: الطباعة على ورق ملصوق على قطع من الورق المقوّى…”.

بقدر ما كان الكلام عن الفكرة بسيطاً وسهلاً، بقدر ما كان التنفيذ صعباً ومعقداً، ولا سيما عندما يتعلق الموضوع بإلصاق الصور على لوحة كرتونية على شكل فراشة وبارتفاع 10 أمتار قائمة على سطح مثلث الشكل ومنحني يعلو عن الأرض 30 متراً. ينظر لوران إلى الكاثدرائية مع ابتسامة خفيفة تعلو وجهه، تاركاً الوقت لمحاوره ليتخيل المشهد.

ترجمة نانا1الموضوع ليس بسيطاً، يقول لوران ” وصلنا الليل بالنهار لكي ننجز العمل، ولمدة اسبوع كامل مع فريق العمل الرائع والملتزم بشكل تام بالمشروع وبتحقيقه”. النتائج مبهرة. إنها المرة الثانية التي يبهر فيها لوران فان ديرستوك العالم، وذلك من خلال تحويل عمله في التصوير الصحفي إلى تحفة فنية رائعة، ونقل المعاناة الانسانية الموثقة بالتصوير الفوتوغرافي، من الفضاء الاعلامي إلى أماكن مختلفة ومتنوعة.

ومنذ العام 2013 ولوران فان ديرستوك يتحدث عن “الفصل الثالث من العمل”، والمقصود هنا هو التصوير والتحرير الصحفي للصورة ومن ثم الفصل الثالث، أي تحرير الصورة وتجهيزها ونقلها إلى الفضاء العام.

في شهر كانون الأول من العام 2013، وفي إطار معرض “الثورات العربية: اختبار الزمن”، الذي أقامه المصور الصحفي آلان مينغام في غاليري ديبولاند في مدينة دونكيرك الفرنسية، تمكن لوران فان ديرستوك من ابتكار فضاءٍ خاص جعل جميع الجدران فيه تبدو وكأنها جدران أحد البيوت السورية المدمرة. لم يكن هناك شخوص، فقط صورة عن تبعات الحرب تقود الزائر إلى الغوص والتفكير في مصائر من كان يقطن في هذا البيت.

في مدينة دونكيرك، حاول الفنان إظهار المنزل المهجور من الداخل وفي مدينة بايو، لوران فان ديرستوك يضع السوريين في المشهد ويدخلهم إلى قوانا الداخلية. هذا السوري، حامل النقالة، الذي يبحث في الممرات عن القتلى والمصابين، مستغلاً الوقت بين مرور طائرتين تعبران لتقصف، إنه على حسب تعبير فان ديرستوك، قديس.

هذا المعرض لا يلامس بالتأكيد قلب القادة السياسيين، كما يحدث عادةً عند إقامة صلاة عاجلة في الكاثدرائية من أجل السلام، لكن الحركة الفنية التي قام بها لوران فان ديرستوك، ستسمح لآلاف الزوار من المارين في مدينة بايو ليقفوا على ضرائج جنود الحرب العالمية الثانية، بأن يفكروا بضحايا الحرب السورية.

يقول فان ديرستوك في ختام اللقاء: “أنا لست ناشطاً سياسياً أو حتى إعلامياً، لكن لي أصدقاء هناك. وأنا على يقين بأن هذا المعرض يمثل بالنسبة لهم أملاً كبيراً في ملامسة قلوب الناس، ولا سيما أنه أقيم في مكان للعبادة والصلاة”.

المصدر: ميديا بارت (MediaPart):

http://blogs.mediapart.fr/blog/michel-puech/091014/les-syriens-du-photographe-laurent-van-der-stockt-en-la-cathedrale-de-bayeux

 

شاهد أيضاً

اكتشاف هوية الجثة قرب محطة الراعي في السويداء وهي لمخطوف لم تدفع فديتة.

كشف مصدر تابع للشرطة المدنية في مدينة السويداء، عن هوية جثة الرجل الملقاة قرب محطة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *