الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية / ضوضاء / افتتاحيات / الثورة السورية.. مأزق أخلاقي دولي

الثورة السورية.. مأزق أخلاقي دولي

في قراءة عاجلة لواقع سوريا بعد أكثر أربع سنوات على انطلاق شرارة الثورة، نطل على حجم المأساة التي تواطأ على إنجازها، نظام دموي مجرم، تسانده ميليشيات طائفية أشد إجراماً، أنتجت لاحقاً تنظيمات إسلامية أكثر إرهاباً، اتفقوا جميعاً على إعادة حياة السوريين إلى ما قبل عصور ما قبل التاريخ.

لكن على الرغم من هذا الواقع المؤلم، يبقى السؤال الأهم حول المستقبل، المستقبل الذي ينبئ بتفكك بنية المجتمع السوري وانهيار سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتفشي الميليشيات المسلحة من كل الأنواع، وتنامي الأحقاد الطائفية والإثنية. هذا المستقبل، الذي إن لم نواجهه بحكمة، فإننا سنشهد كوارث أكثر ترويعاً مما نحن عليه الآن. بعد أن أخذ الصراع شكلاً دولياً أوسع من صورة الثورة، وبات الحل يحتاج إلى تكاتف جهود دولية لإنجازه وتحقيقه.

كما نحتاج أيضاً إلى آليات لكبح جماح كل الأطراف المتصارعة داخل سوريا وهي: (النظام وكتائبه، الميليشيات الطائفية، جميع الكتائب الإسلامية التي رفعت علماً غير علم الثورة وعلى رأسها داعش)، إذ لم يعد من مصلحة أحد ترك ما يحدث في سوريا دون حل جذري وعميق واضح المعالم ترعاه الأمم المتحدة تقبل به جميع الأطراف.

هل من إمكانية للتوصل إلى حل سياسي؟

تمر الثورة السورية الآن في مرحلةٍ من أشدِّ مراحلها حساسيّةً، لا يغلبُ عليها طابع الاستعصاء فحسب، وإنما أيضاً، الوضع مرشح لمزيد من الانهيارات على مختلف الصعد، لا سيما في ظل التدخل العسكري المباشر لقوات التحالف الدولية داخل سوريا، والذي سيترتب عليه، دور مفصلي في تطور الأحداث ونتائجها.

لماذا لا للحل العسكري

دعونا نعترف أنه ليس من السهولة بمكان الوصول إلى حل سياسي مرضي لجميع الأطراف، لكن في المقابل، فإن النتائج التي ستترتب على أي حل سياسي، ستكون أرحم وأفضل من أية نتائج ستترتب على أي حل عسكري، ولنا في العراق وليبيا، ما يجعلنا نخاف حتى من مجرد التفكير بحل عسكري، لن يجلب لنا سوى المزيد من الدمار والخراب يحتاج إصلاحها إلى عقود من الزمن.

إن أي حل عسكري محتمل، انهيار أكبر لمؤسسات الدولة بسلطاتها الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، وتفشي الميليشيات المسلحة، واستمرار النزاع المسلح، الذي سيذهب ضحيته مدنيون من كل الأطراف، لذلك فالدعوة للبدء بمشروع حل سياسي ضرورة قصوى.

كيف يمكن أن نصل إلى حل سياسي؟

أي حل سياسي لا يمكن إلا أن يبدأ من حذف نظام آل الأسد من المشهد المستقبلي لسوريا القادمة، وأن يضمن محاسبة لمجرمي الحرب من كل الأنواع والأطراف، وأن يمر عبر التأسيس لتوافق وطني مبني على أسس ديمقراطية، مدنية، وشفافة، تعتمد أسس العدالة الاجتماعية والمواطنة الكاملة والمتساوية لكل أفراد المجتمع السوري، من خلال وضع خطوات ملموسة وحقيقية تتبناها مؤسسات الثورة والفصائل الفاعلة فيها، بعد محاسبة كل من تورط في سفك الدم السوري وبصفته الشخصية.

إذا كنا نبحث عن حل سياسي، لابد من العمل على تغيير جوهر العقلية الدينية.. تغيير يعمل على قطع ثقافي معرفي جذري مع العنف والجهل الديني، بحيث نشجع المواطن السوري على أن يكون جزءاً من منظومة الديمقراطيات في العالم، وأن يكون جزءاً من شراكات دولية كاملة في المصالح والثقافات، تدفعه لتأسيس شراكة حضارية متكاملة تحمي الاستقرار في كامل المنطقة والعالم، وتمنع أن تكون سوريا عامل جذب وبؤرة صالحة للإرهاب.

هل يمكن لأنصاف الحلول أن تكون هي الحلول في سوريا؟

لقد وصلت الأوضاع في سوريا إلى نزاع مسلح واستقطاب حاد داخل نسيج المجتمع، قد يذهب بسوريا كدولة بشكل نهائي، ويحوّل الثورة التي قامت لأجل الديمقراطية والحرية والعدالة والكرامة، إلى عملية تدمير للنسيج الاجتماعي ورأس المال البشري، وما سيجرّه ذلك من حرب مستمرة تدعمه استقطابات إقليمية ودولية، تزرع فيه بذور الألغام الدائمة للمستقبل.

في نهاية المطاف، وككل حدث في التاريخ، لن تبقى الأزمة السورية بدون حل، وسيأتي يوم يجلس فيه الفرقاء على الطاولة، وستفرز الأحداث، وقسوة العنف، والتدخلات الخارجية، والتعب والخوف، معسكرين في سوريا، ليسا إسلامياً ضد علماني، ولا سنياً ضد علوي، بل معسكر رافض للتفاوض والمشاركة في الحياة السياسية وآخر مستعد لهما، وهذا الأخير هو ما يجب أن نعمل على تقويته ودعمه.

ولا بد من القول، إن الشعب السوري الموغل في الحضارة والإنسانية والتاريخ والعطاء، هذا الشعب الذي أطلق أعظم ثورة حرية معاصرة، لا يستحق أن يتم حصره بين خيارين فقط، إما نظام مجرم فاسد وديكتاتوري، وإما إسلام متطرف وظلامي.

هذا الشعب يستحق خياراً غير خيار ثقافة الموت التي يمارسها نظام الأسد وسيوف الإسلام المتطرف على يد خارجين من كهوف التاريخ، يستحق ثقافة تبني الحياة والأمل والشراكة الحضارية مع بقية الأمم، ثقافة مبنية على احترام الآخر والاعتراف به والبناء معه.

رئيس التحرير

شاهد أيضاً

خلافات بين المهربين على سيارة أسلحة صادرتها ميليشيا الدفاع الوطني في السويداء

صادرت ميليشيا الدفاع الوطني في مدينة شهبا أول من أمس الأحد سيارة محملة بالأسلحة، ومتوجهة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *