الأربعاء , ديسمبر 19 2018
الرئيسية / ضوضاء / ثقافة وفن / قراءة في شرانق وليد المصري

قراءة في شرانق وليد المصري

في معرضه الذي استضافه غاليري (أوروبيا) في باريس، بين 6-28 آذار مارس ،2014 يعرض التشكيلي اللبناني السوري (وليد المصري) مجموعة لوحات تحت عنوان (شرنقة).عمل (وليد المصري) وهو خريج كلية الفنون في دمشق عام (2005) على عدة مشاريع أو مفردات كما يحب أن يسميها، وإن استغرقه العمل على مفردة (كرسي) سنوات عدة، أقام خلالها العديد من المعارض في سوريا (غاليري أيام)، وفي عواصم عربية (بيروت ودبي) إضافة إلى باريس وبكين ونيويورك وجدة و هونغ كونغ واسطنبول، ويعتبر المصري من الفنانين التشكيليين الشباب في سوريا ذوي الصعود الصاروخي، بالنسبة لكمّ الأعمال وكمّ المعارض وكمّ اللوحات المقتناة عربياً وعالمياً.

130x97-cm-mixed-media-on-canvas-2013-p101-232x300وللحديث حول شرانق (وليد المصري) في معرضه بباريس، لا بد من تناول الأسس التي تستند إليها لوحته بشكل عام، وأصنفها هنا في أربعة أركان، أرى أنها لا تزال قائمة في كل ما يرسمه.
عندما يحاول البشر صنع المكررات يصنعون مرغمين تفرداً وتنوعاً شديد الرهافة شديد الدقة وقوي الأثر.
(وليد المصري) فنان قادم من اقتراحات الممارسة والحرفة، مستنداً على الدقة والعمق، اللذين يصنعهما التأني ويراكمها التكرار ، قبل أن تضيف الأكاديمية عقلاً لليدين.يقول: “ من خلال عملي في الموزاييك الدمشقي حصلت على مفردتي الأولى، التي ساهمت بتشكيل لوحة اليوم، هذه المفردة هي التكرار، فالعنصر البسيط المتكرر في الموزاييك منحَنِي الرابط بين المفردة البسيطة وتكرارها في أعمالي، العمل في الموزاييك علّمني كيف يخرج التنوع من التكرار”.

هنا يحرر الاتساع المفردات المكررة التي تسكنه من الاشتمال عليها، ليصبح كما هي، جزءاً من التكوين العام، حيث يتيح المدى للمفردات أن تساهم في رسم حركة الكل، إنها معادلات بسيطة.

نلمح هذه المكررات المختلفة في كل مجموعة من المجموعات، (كرسي، امرأة، نعامة، مفقود، كيماوي، والآن شرنقة).

وفي كل مجموعة يفعل التكرار فعله، بأن يحطم المفردة كشكل ومسمى، ويجردها من قشور الاعتياد عند المتلقي، ويُسكِنُها في لوحته جوهراً من المساحة اللونية، كتلةً في فضاء اللوحة، سامحةً ومعينةً للمتلقي كي يتم تناول العناصر في فضاء التجريد.

والركن الثاني هو الحركة: ولا تبدو الحركة هاجساً لدى (وليد) يلح عليه أثناء بناء اللوحة، بل كأنها أصبحت جزءاً من ذاتية اللوحة وصيرورة إنجازها لذاتها، حيث تساهم عوامل كثيرة في صناعة هذه الحركة، تبدأ بالتموضع، والحجوم، والمستقلات، والفضاء، واللون ثابتاً أو منساباً، ثم ما يسمى المنظور الآسيوي.

لكل لوحةٍ لدى (وليد المصري) حلولها الخاصة، وهذا أساس هام من الأسس التي يتجرأ بها على مكرراته التي تنتهي مختلفة خاصة، فالكتل أو العناصر المركزية التي تمتد نحو أطراف اللوحة في نقص مقصود، يحرز أفضل المواقع في محاورة المتلقي مستنداً على أبسط قوانين الإدراك، ما دام أصلاً يمثل عنصراً شائعاً للوعي والذاكرة البشرية، نقصٌ يبدو على شكل سؤال سهل الإجابة، يفتح أول باب للحوار مع المتلقي، ناكزاً ذهنه بمهماز السؤال السهل الخبيث، فاتحاً أول مسارب الحركة العمودية.مساحة لون، (عنصر مركزي) على شكل كرسي منقوص، يُتِمّ الذهن إكماله إلى كرسي هابط على اللوحة من علٍ، وتؤكدُ حركتَه بقعةٌ لونيةٌ قاسيةُ الحضور، بمفارقة واضحة للون الفضاء الذي يمثل (خلفية اللوحة أو الجدار)، تنفتح في اللوحة كثقب تسحب، تشد العنصر المركزي الهابط نحوها، وكأنها تلتهمه كمقدمة لابتلاع الفضاء بكل ما فيه، إذاً لدينا صانع آخر للحركة، ثم تسند الألوان المنسابة خطوطاً أو قطرات، الحركة ، وتحيل إلى تسارع نحو جاذبية مركزها الثقب اللون، ثم تأتي خلفية اللوحة، لون هادئ، قليل السطوع، يمتد كصحراء، كفضاء دون حدود، وكلما أتم (المصري) التباين في اللون بين العنصر المركزي والفضاء الذي تمثله خلفية لوحتة، حاصرَ الفضاءُ قليلُ السطوعِ العنصرَ المركزيَ، وضغَطَهُ نحو الداخل وضيّق عليه، ما يترك له دون معاناة، وبكل بساطة، إمكانيةَ الانفجار نحو الخارج، إمكانية السطوع والتوسع، ما يرسم حركة التّمدّد في كل الاتجاهات.
c6-cocoon-100x100-cm-mixed-media-on-canvas-2012-209x300وفي لوحة أخرى (كرسي)، إضافةً إلى ما ذكرناه، من سؤال الإدراك حول العنصر المركزي المنقوص، ثم الفضاء واللون المناسب، يجد (المصري) الحلّ لتأكيد الحركة، ببقعةٍ تكاد تكون حلزوناً، تظهر في اللوحة ملتهمةً أجزاءً من العنصر المركزي (الكرسي هنا)، تاركةً انطباعاً أن الكرسي يتابع بحركة دورانية حلزونية، الغياب في البقعة الحلزون، تسانده خطوط من الأعلى للأسفل لألوان منسابة نثرات مائلة بزوايا نحو استدارة الحركة، التي تغيب فيها الكرسي، وفي الحركةِ، نتابعُ تجربةً يقولُ (وليد المصري) أنّهُ عمل عليها سنوات، هي اعتماد المنظور الآسيوي الذي يفترض أن نقطة الفرار تقع خلف عين الناظر، ما يجعلنا نصبح ضمن حيز اللوحة ليس مراقبين خارجها، ما يتيح تمدّداً لعناصر اللوحة المركزية نحو محيط اللوحة. ويقول (المصري) تم الانتباه لهذا المنظور وأثره على اللوحة من خلال تركيز تشكيليين ونقاد في معرض بكين عليه.وإن كنا نشخص في لوحة (وليد المصري) عنصراً مركزياً وبقعة تحدد اتجاه الحركة، فإن ذلك يحيلنا إلى مدى من فضاء اللوحة، يمثل السطح بعمومه، يغمر اللوحة باحتمالات المكان الممكن للتمدد والملء.

إن هذه المفردات الثلاث أو الأركان الثلاثة، التي يستند إليها بناء اللوحة وتشكيلها لدى (وليد)، تبدو بكليتها، في خدمة الركن الرابع، وأسميه هنا (سطوة العنصر المركزي)، حيث يستمد هذا العنصر المركزي قوته وحضوره من جعل كل شيء في خدمة سطوته، نعم هو حضور انتهازي يعطي اللوحة شخصيتها أو ذاتيتها وأناها، يتجلى ذلك في أسماء المشاريع (كرسي، امرأة، مفقود، كيماوي، نعامة، وأخيراً شرنقة).

وهذا العنصر وإن تجزأ إلى اثنين ككرسيين في لوحة، أو أكثر من اثنين كعدة شرانق في لوحة، (فإنه العنصر المركزي ذو السطوة)، حيث يعطي المشروع اسمه.

الآن على تقدم نستطيع فهم وقراءة شرانق (وليد المصري)، حيث ينطبق ما قلناه سابقاً عليها، لكن خصوصيةً تظهرُ هنا، لوهلةٍ، تبدو شرانق (وليد المصري) متدليةً كثمارٍ على شجرتها (أنضجها فصل الموت)، وكأن الأطفال والشرانق نساءها رجالها، ثمار نضجت للقطف كفعل من أفعال الطبيعة، وكان ذلك سيبدو توازناً على مستوى اللوحة، ناتجاً عن ترجيع بعيد (حيث يغيب التأثير المباشر “فلا يبقى ليسكن اللوحة إلا ما سقط في هوة النسيان”، كما يقول (أسعد عرابي)، حيث مفردات الذاكرة تذوي بشكلها العادي المباشر، لتتحول إلى لا وعي يتجرد من تمايزه، ليسكن نسق التجريد في احتياجات اللوحة، وحيث، كما يجب أن يكون، تبدأ اللوحة بقصدية التوجه وحسب أسعد عرابي ثانية “منتهية إلى حدود الصدفة الصاعقة”.

لكن شرانق (وليد) استعاضت عن هذا التوازن (الذي خسرته مع بداية المشروع ربما) بطاقةٍ من نوع آخر، شرانق (وليد) وعندما تكون مستقلة عن شجرتها هي أكفان، أكفان لا يُشك بذلك أبداً، عندما تكون (شرانق لوحدها)، لكنها تتحول إلى شرانق من حرير عندما تعلق على شجرتها، شرانق لكل منها كينونته وهالته الخاصة، لكنها ليست أكفاناً، إنها شرانق (بمعنى الكلمة)، تنوس شرانق (وليد المصري) بين صيغتين: الأولى (كفنوها يا ليتها شرنقة)، وهي مثال عن أمل غير مشروع ضمناً، إنه الكفن لا جيوب ولا عناوين للعودة، ويثبت هذا التوجه نص آخر لـ (إياد شاهين) المقتول، صديق (وليد)، وربما أحد شرانقه، (النار لم تترك لوردتنا فراشة).

إذاً كما يقول (وليد) في الحديث عن بدء المشروع: “جربت تشكيل رمزي هذا، لكنه لم يكن طيعاً لي في البداية، كنت أعمل على كفن وأسميته شرنقة”، نعم كان لدى (وليد المصري) الأكفان فقط حينها.
والثانية هي: عندما احتاجت شرنقة (وليد) إلى شجرة، أرومة تستند إليها، كي لا تكون مفردةً في مهب الضياع والاندثار، واحتاجت أن تتحول إلى شرنقةٍ حقيقية بحضورها في اللوحة، تملك مشروعية الانبعاث، إنها هروب الذات من بشاعة مشاهد الدمار الذي يهدم الحياة بهذه الفجاجة والمباشرة، القتلى المشوهون تحت التعذيب، تحت أنقاض البيوت والبراميل المتفجرة.

الشرنقة بهذا المعنى تفتح مدىً للرؤية بأكثرَ من سمت، هي تحجب بحريرها البشاعة، تترك بين التشويه وبين الإبصار غير المحتمل، حريراً رقيقاً يكسو القسوة من جهة، ومن جهة أخرى يفتح بصيصاً للأمل، ربما المنبثق من هول الخسارة، لكنه أمل مبرر باستناده إلى حقيقة الفراشة كفكرة، والشجرة كمنظومة للحياة تسند شرانقها.

c15-cocoon-160x200-cm-mixed-media-on-canvas-2014-223x300ربما أصبحت الشجرة بلاداً، ربما لن يكون الانبعاث سوى أمانٍ وهمي يفرضه انهراس الوعي أمام صدمة الواقع الوحشي، إذ لا بد من إيجاد تعليقٍ وتدلٍ ساكن، بمعناه الذي يحمل الحياة كامنةً في الموت.

في إنتاج فكرة الشجرة كاقتراح قبلته لوحة (وليد المصري) في مشروع الشرنقة، أخذت الشرانق مشروعيتها، حصلت على حريرها، لتفتح باباً على العودة، هكذا أوجد (وليد المصري) مدخلاً وحاملاً إلى لوحته، لتبدأ بقصدية في التوجه منتهيةً بالصدفة الصاعقة،حيث تساهم اللوحة في صناعة قدرها.

يرى (وليد المصري) أن الفن يعكس الحياة بصيغة عالية الحساسية، وإن كنا لانزال نستطيع أن ننتج فناً فهذا يعني أننا لا نزال نملك الحساسية نملك رهافة لمس أدق التفاصيل من حولنا والإحساس بها رغم كل هذا الموت.
أن ننتج فناً اليوم فهذا يعني أننا لم نفقد الرغبة بالحياة كما يراد لنا، يتجلى كل ذلك في سوريا عندما نجد أن هناك من لايزال إلى اليوم يرسم على أنقاض بيته ومن لايزال يبدع لافتاتٍ ليخاطب بها العالم.
لغاليري (أوروبيا) وجود جيد في المشهد الثقافي الباريسي، وإن كان جمهوره الأوسع من العرب والسوريين، إضافةً إلى جمهوره الفرنسي، وربما يرى من زار المعرض من السوريين أن الأعمال تحمل في طياتها، بل شديدة التوجه، لتمثل الهم السوري من خلال الشرنقة القريبة حد التطابق مع الكفن، أما بالنسبة للفرنسيين والمختصين، فكان بإمكانهم الرؤية والتأثر بالأعمال دون إسقاطها السياسي.

وعن دور الفن والفنانين السوريين اليوم يقول (وليد): “لا أظن هناك أهمية أو قيمة للفن أمام كل هذا الموت، وما هو أسوأ من الموت ما يحصل في الداخل السوري، ولا أعتقد أن هناك من يهمه ما نرسم وهو يعيش في تلك الظروف المأساوية، ببساطة، نحن من عليه النظر إلى ما يفعله السوريون في الداخل وليس العكس”، ويتابع: “في سوريا هناك من يحول بقايا السلاح إلى أشكال فنية، هذا شيء هام جداً لأنه يعكس إرادة الحياة التي لم تنكسر مع كل هذا القمع، وهذا ما يحتاجه السوريون، هذا ما لديهم”.

هكذا يطلّ التشكيلي اللبناني السوري (وليد المصري) على المشهد الصادم، وهكذا يدلّ على قسوته عندما نحاصره، ليعبر عنه بالكلام، لغة، وإن أتقنها شخص يتقن الصمت والتأمل أكثر كوليد، فإنها بالنسبة له غير كافية، ما يجعله يستعين بفرشاته وألوانه على الدوام.

محمد ملاك 

 

شاهد أيضاً

تاريخ سوريا في أيدي اللصوص

محمود أحمد   ليس سراً أن نظام بشار الأسد لم يكتف بسرقة حاضر سورية وتدمير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *